الحركات وتوالت، فلما أخرت، وقف عليها بالسكون، قلت: ومن هذا النحو الجن والإنس، فإن لفظ الإنس أخف، لمكان النون الخفيفة والسين المهموسة، فكان الأثقل أولى بأول الكلام من الأخف لنشاط المتكلم جماعة [1] . وأما في القرآن فلحكمة أخرى سوى هذه: قدم الجن على الإنس في الأكثر الأغلب، وسنشير إليها في آخر الفصل إن شاء الله.
أما تقدم بتقدم الزمان، فكعاد وثمود، والظلمات والنور، فإن الظلمة سابقة للنور في المحسوس والمعقول، وتقدمها في المحسوس معلوم بالخبر المنقول، وتقدم الظلمة المعقولة معلوم بضرورة العقل، قال سبحانه: {وَاللََّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهََاتِكُمْ لََا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصََارَ وَالْأَفْئِدَةَ} [النحل: 78] ، فالجهل ظلمة معقولة، وهي متقدمة بالزمان على نور العلم ولذلك قال تعالى: {فِي ظُلُمََاتٍ ثَلََاثٍ} [الزمر: 6] فهذه ثلاث محسوسات: ظلمة الرحم، وظلمة البطن، وظلمة المشيمة [2] . وثلاث معقولات وهي عدم الإدراكات الثلاثة المذكورة في الآية المتقدمة، إذ لكل آية ظهر وبطن، ولكل حرف حد، ولكل حد مطلع، وفي الحديث: «إن الله خلق عباده في ظلمة، ثم ألقي عليهم من نوره» [3] .
ومن المتقدم بالطبع نحو {مَثْنى ََ وَثُلََاثَ وَرُبََاعَ} [النساء: 3] ، ونحو: {مََا يَكُونُ مِنْ نَجْوى ََ ثَلََاثَةٍ إِلََّا هُوَ رََابِعُهُمْ} الآية [المجادلة: 7] وما يتقدم من الأعداد بعضها على بعض إنما يتقدم بالطبع. كتقدم الحيوان على الإنسان، والجسم على الحيوان. ومن هذا الباب تقدم {الْعَزِيزُ} على {الْحَكِيمُ} لأنه عز، فلما عز حكم، وربما كان هذا من تقدم السبب على المسبب، ومثله كثير في القرآن نحو {يُحِبُّ التَّوََّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة] لأن التوبة سبب الطهارة، وكذلك {كُلِّ أَفََّاكٍ أَثِيمٍ} (222) [الشعراء] لأن الإفك سبب الإثم، وكذلك {كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ} [المطففين: 12] .
وأما ما تقدم «هماز» على «مشاء بنميم» فبالرتبة لأن المشي مرتب على القعود في المكان، والهماز: هو العياب، وذلك لا يفتقر إلى حركة وانتقال من موضعه، بخلاف النميمة. وأما تقدم «مناع للخير» على «معتد» فبالرتبة أيضا لأن المناع يمنع من نفسه،
(1) أي راحته.
(2) يقول الأطباء أن الأقرب لمعنى الكلمات الثلاث: ظلمة البطن ثم الرحم ثم ما يسمى بالكيس الأميني) (وهو المحيط بالطفل ويحتوي على ماء، أما المشيمة فيها مجموعة أوعية دموية تشبه الطحال تنقل الغذاء للطفل والله أعلم.
(3) أحمد (2/ 176) ، والترمذي (2642) في الإيمان، باب: ما جاء في افتراق هذه الأمة، وقال: «حسن» .