فهرس الكتاب

الصفحة 225 من 490

والمعتدي يعتدي على غيره ونفسه قبل غيره، ومن المتقدم بالرتبة {يَأْتُوكَ رِجََالًا وَعَلى ََ كُلِّ ضََامِرٍ} [الحج: 27] لأن الذي يأتي راجلا يأتي من المكان القريب، والذي يأتي على الضامر يأتي من المكان البعيد، على أنه قد روي عن ابن عباس أنه قال: وددت أني حججت راجلا لأن الله قدم الرجالة على الركبان في القرآن، فجعله ابن عباس من باب تقدم الفاضل على المفضول. والمعنيان موجودان. وربما قدم الشيء لثلاثة معان وأربعة وخمسة، وربما قدم لمعنى واحد من الخمسة.

ومما قدم للفضل والشرف {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرََافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ} [المائدة: 6] ، وقوله {النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ} [النساء: 69] ، ومنه تقديم {السَّمِيعُ} على {الْبَصِيرُ} و {سَمِيعٌ} على {بَصِيرٌ} . ومنه تقديم {الْجِنَّ} على {الْإِنْسِ} في أكثر المواضع لأن الجن تشتمل على الملائكة، وغيرهم مما اجتن عن الأبصار، قال تعالى: {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا} [الصافّات: 158] .

وقال الأعشى:

وسخر من جن الملائك شيعة ... قياما لديه يعملون بلا أجر

وأما قوله تعالى: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلََا جَانٌّ} [الرحمن: 56] ، وقوله: {لََا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلََا جَانٌّ} [الرحمن: 39] ، وقوله: {ظَنَنََّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللََّهِ كَذِبًا}

[الجن: 5] فإن لفظ الجن هاهنا لا يتناول الملائكة بحال، لنزاهتهم عن العيوب وأنهم لا يتوهم عليهم الكذب ولا سائر الذنوب، فلما لم يتناولهم عموم لفظ لهذه القرينة، بدأ بلفظ الإنس لفضلهم وكمالهم.

وأما تقديم السماء على الأرض فبالرتبة أيضا وبالفضل والشرف.

وأما تقديم الأرض في قوله: {وَمََا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقََالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلََا فِي السَّمََاءِ}

[يونس: 61] فبالرتبة أيضا، لأنها منتظمة بذكر ما هي أقرب إليه وهم المخاطبون بقوله: {وَلََا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ} [يونس: 61] فاقتضى حسن النظم تقديمها مرتبة في الذكر مع المخاطبين الذين هم أهلها بخلاف الآية التي في سبأ فإنها منتظمة بقوله: {عََالِمُ الْغَيْبِ} [الجن: 26] .

وأما تقديمه المال على الولد في كثير من الآي فلأن الولد بعد وجود المال نعمة ومسرة، وعند الفقر وسوء الحال هم ومضرة، فهذا من باب تقديم السبب على المسبب لأن المال سبب تمام النعمة بالولد.

وأما قوله: {حُبُّ الشَّهَوََاتِ مِنَ النِّسََاءِ وَالْبَنِينَ} [آل عمران: 14] ، فتقديم النساء على

البنين بالسبب، وتقدم الأموال على البنين بالرتبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت