وأما قوله: {حُبُّ الشَّهَوََاتِ مِنَ النِّسََاءِ وَالْبَنِينَ} [آل عمران: 14] ، فتقديم النساء على
البنين بالسبب، وتقدم الأموال على البنين بالرتبة.
ومما تقدم بالرتبة ذكر السمع والعلم حيث وقع، فإنه خبر يتضمن التخويف والتهديد، فبدأ بالسمع لتعلقه بما قرب كالأصوات وهمس الحركات، فإن من سمع حسّك وصوتك، أقرب إليك في العادة ممن يقول لك: إنه يعلم، وإن كان علمه تعالى متعلقا بما ظهر وبطن وواقعا على ما قرب وشطن، ولكن ذكر «السميع» أوقع في باب التخويف من ذكر «العليم» فهو أولى بالتقديم.
وأما تقديم «الغفور» على «الرحيم» ، فهو أولى بالطبع لأن المغفرة سلامة، والرحمة غنيمة والسلامة تطلب قبل الغنيمة.
وفي الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمرو بن العاص: «أبعثك وجها يسلمك الله فيه ويغنمك، وأرغب لك رغبة من المال» . فهذا من الترتيب البديع بدأ بالسلامة قبل الغنيمة، وبالغنيمة قبل الكسب.
وأما قوله: {وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ} في سبأ، فالرحمة هناك متقدمة على المغفرة، فإما الفضل والكمال وإما بالطبع لأنها منتظمة بذكر أصناف الخلق من المكلفين وغيرهم من الحيوان، فالرحمة تشملهم والمغفرة تخصهم والعموم بالطبع قبل الخصوص، كقوله: {فََاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمََّانٌ} [الرحمن: 68] ، وكقوله: {وَمَلََائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكََالَ} [البقرة: 98] ، ومما قدم بالفضل قوله: {وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرََّاكِعِينَ} [آل عمران: 43] لأن السجود أفضل و «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد» [1] ، فإن قيل: فالركوع قبله بالطبع والزمان والعادة، لأنه انتقال من علو إلى انخفاض والعلو بالطبع قبل الانخفاض، فهلا قدم الركوع؟
الجواب أن يقال: انتبه لمعنى الآية من قوله: {وَارْكَعِي مَعَ الرََّاكِعِينَ} ، ولم يقل:
اسجدي مع الساجدين، فإنما عبر بالسجود عن الصلاة وأراد صلاتها في بيتها لأن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها مع قومها، ثم قال لها: {وَارْكَعِي مَعَ الرََّاكِعِينَ} أي صلّي مع المصلين في بيت المقدس، ولم يرد أيضا الركوع وحده دون أجزاء الصلاة، ولكنه عبر بالركوع عن الصلاة، كما تقول: ركعت ركعتين وأربع ركعات، يريد الصلاة لا الركوع بمجرده. فصارت الآية متضمنة لصلاتين صلاتها وحدها عبر عنها بالسجود. لأن السجود أفضل حالات العبد، وكذلك صلاة المرأة في بيتها أفضل لها، ثم صلاتها في المسجد عبر
(1) مسلم (215/ 482) في الصلاة، باب: ما يقال في الركوع والسجود.