فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
أخرى: {رُكَّعًا سُجَّدًا} ، ولم جمع «ساجد» على «السجود» ، ولم يجمع «راكع» على «ركوع» ؟.
فالجواب: إن السجود في الأصل مصدر كالخشوع والخضوع، وهو يتناول السجود الظاهر والباطن ولو قال: «السجد» في جمع «ساجد» ، لم يتناول إلا المعنى الظاهر، وكذلك الركع، ألا تراه يقول: {تَرََاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا} [الفتح: 29] ، وهذه رؤية العين وهي لا تتعلق إلا بالظاهر. والمقصود هنا الركوع الظاهر لعطفه على ما قبله مما يراد به قصد البيت، والبيت لا يتوجه عليه إلا بالعمل الظاهر، وأما الخشوع والخضوع الذي تناوله لفظ الركوع دون لفظ اركع، فليس مشروطا بالتوجه إلى البيت، وأما السجود فمن حيث أنبأ عن المعنى الباطن جعل وصفا للركع ومتمما لمعناه إذا لا يصح الركوع الظاهر إلا بالسجود الباطن، ومن حيث تناول لفظه أيضا السجود الظاهر الذي يشترط فيه التوجه إلى البيت حسن انتظامه أيضا مع ما قبله مما هو معطوف على الطائفين الذي ذكرهم بذكر البيت، فمن لحظ هذه المعاني بقلبه وتدبر هذا النظم البديع بلبه، ارتفع في معرفة الإعجاز عن التقليد، وأبصر بعين اليقين أنه {تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42] . تم كلامه [1] .
قلت: وقد تولج رحمة الله مضايق تضايق عنها أن تولجها الإبر وأتى بأشياء حسنة، وبأشياء غيرها أحسن منها، فأما تعليله تقديم ربيعة على مضر، ففي غاية الحسن، وهذان الاسمان لتلازمهما في الغالب صار كاسم واحد، فحسن فيهما ما ذكره.
وأما ما ذكره في تقديم الجن على الإنس من شرف الجن، فمستدرك عليه، فإن الإنس أشرف من الجن من وجوه عديدة قد ذكرناها في غير هذا الموضع.
وأما قوله: إن الملائكة منهم أو هم أشرف فالمقدمتان ممنوعتان، أمّا الأول فلأن أصل الملائكة ومادتهم التي خلقوا منها هي النور، كما ثبت ذلك مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم [2] . وأما الجان فمادتهم النار بنص القرآن، ولا يصح التفريق بين الجن والجان لغة ولا شرعا ولا عقلا.
وأما المقدمة الثانية: وهي كون الملائكة خيرا وأشرف من الإنس فهي المسألة المشهورة وهي تفضيل الملائكة أو البشر؟. والجمهور على تفضيل البشر [3] ، والذين فضلوا الملائكة
(1) أي السهيلي رحمه الله تعالى، وقد أبدع إبداعا.
(2) مسلم (2996/ 60) في الزهد والرقائق، باب: في أحاديث متفرقة.
(3) كما في حادي الأرواح وغيره.