فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
الاسم، فيكون وجه التقديم أن العزة كمال القدرة والحكمة كمال العلم وهو سبحانه الموصوف من كل صفة كمال بأكملها وأعظمها وغايتها، فتقدم وصف القدرة، لأن متعلقه أقرب إلى مشاهدة الخلق وهو مفعولاته تعالى وآياته، وأما الحكمة فمتعلقها بالنظر والفكر والاعتبار غالبا وكانت متأخرة عن متعلق القدرة.
ووجه ثان: أن النظر في الحكمة بعد النظر في المفعول والعلم به، فينتقل منه إلى النظر فيما أودعه من الحكم والمعاني.
ووجه الثالث: أن الحكمة غاية الفعل، فهي متأخرة عنه تأخر الغايات عن وسائلها، فالقدرة تتعلق بإيجاده، والحكمة تتعلق بغايته، فقدم الوسيلة على الغاية لأنها أسبق في الترتيب الخارجي.
وأما قوله تعالى: {يُحِبُّ التَّوََّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222] ، ففيه معنى آخر سوى ما ذكره، هو أن الطهر طهران: طهر بالماء من الأحداث والنجاسات، وطهر بالتوبة من الشرك والمعاصي.
وهذا الطهور أصل لطهور الماء، وطهور الماء لا ينفع بدونه، بل هو مكمل له معد مهيأ بحصوله، فكان أولى بالتقديم لأن العبد أول ما يدخل في الإسلام فقد تطهر بالتوبة من الشرك ثم يتطهر بالماء من الحدث.
وأما قوله: {كُلِّ أَفََّاكٍ أَثِيمٍ} (222) [الشعراء: 222] ، فالإفك: هو الكذب وهو في القول، والإثم: هو الفجور وهو في الفعل، والكذب يدعو إلى الفجور، كما في الحديث الصحيح:
«أن الكذب يدعو إلى الفجور وأن الفجور يدعو إلى النار» [1] ، فالذي قاله صحيح.
وأما {كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ} [المطففين: 12] ففيه معنى ثان غير ما ذكره، وهو أن العدوان مجاوزة الحد الذي حد للعبد، فهو ظلم في القدر والوصف، وأما الإثم فهو محرم الجنس، ومن تعاطى تعدى الحدود، تخطى إلى الجنس الآخر وهو الإثم.
ومعنى ثالث، وهو أن المعتدي الظالم لعباد الله عدوانا عليهم، والأثيم الظالم لنفسه بالفجور، فكان تقديمه هنا على الأثيم أولى لأنه في سياق ذمه والنهي عن طاعته، فمن كان معتديا على العباد ظالما لهم فهوى أحرى بأن لا يطيعه ويوافقه.
وفيه معنى رابع، وهو أنه قدمه على الأثيم ليقترن بما قبله وهو وصف المنع للخير،
(1) مسلم (2607/ 103) في البر والصلة، باب: قبح الكذب، وحسن الصدق، وفضله.