فهرس الكتاب

الصفحة 231 من 490

فوصفه بأنه لا خير فيه للناس وأنه مع ذلك معتد عليهم فهو متأخر عن المناع، لأنه يمنع خيره أولا ثم يعتدي عليهم ثانيا ولهذا يحمد الناس من يوجد لهم الراحة ويكف عنهم الأذى وهذا هو حقيقة التصوف [1] ، وهذا لا راحة يوجدها ولا أذى يكفه.

وأما تقديم «هماز» على «مشاء بنميم» ففيه معنى آخر غير ما ذكره، وهو أن همزه عيب للمهموز وإزراء به وإظهار لفساد حالة في نفسه فإن قاله يختص بالمهموز لا يتعداه إلى غيره، والمشي بالنميمة يتعداه إلى من ينم عنده، فهو ضرر متعد، والهمز ضرره لازم للمهموز إذا شعر به ما ينتقل من الأذى اللازم إلى الأذى المتعدي المنتشر.

وأما تقديم «الرجال» على «الركبان» ففيه فائدة جليلة وهي أن الله شرط في الحج الاستطاعة ولا بد من السفر إليه لغالب الناس، فذكر نوعي الحجاج، لقطع توهم من يظن أنه لا يجب إلا على راكب، وقدم الرجال اهتماما بهذا المعنى وتأكيدا، ومن الناس من يقول: قدمهم جبرا لهم لأن نفوس الركبان تزدريهم وتوبخهم، وتقول: إن الله لم يكتبه عليكم ولم يرده منكم، وربما توهموا أنه غير نافع لهم، فبدأ بهم جبرا لهم ورحمة.

وأما تقديم غسل الوجه ثم اليد، ثم مسح الرأس ثم الرجلين في الوضوء، فمن يقول:

إن هذا الترتيب واجب وهو الشافعي وأحمد ومن وافقهما، فالآية عندهم اقتضت التقديم وجوبا لقرائن عديدة:

أحدها: أنه أدخل ممسوحا بين مغسولين، وقع النظير عن نظيره، ولو أريد الجمع المطلق، لكان المناسب أن يذكر المغسولات متسقة في النظم، والممسوح بعدها، فلما عدل إلى ذلك، دل على وجوب ترتيبها على الوجه الذي ذكره الله.

الثاني: أن هذه الأفعال هي أجزاء فعل واحد مأمور به، وهو الوضوء فدخلت الواو لأجزائه بعضها على بعض، والفعل الواحد يحصل من ارتباط أجزائه بعضها ببعض، فدخلت بعضها على بعض، والفعل الواحد يحصل من ارتباط أجزائه بعضها ببعض، فدخلت الواو بين الأجزاء للربط فأفادت الترتيب إذ هو الربط المذكور في الآية ولا يلزمه من كونها لا تفيد الترتيب بين الأفعال لا ارتباط بينهما، نحو: {وَأَقِيمُوا الصَّلََاةَ وَآتُوا الزَّكََاةَ} [البقرة: 110] ، ألا تفيده بين أجزاء فعل مرتبطة بعضها ببعض، فتأمل هذا الموضع ولطفه، وهذا أحد

(1) هذا من إنصاف العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى حيث ينصف في أقواله ويأخذ الفائدة والحكمة حيث وجدت ومن تصفح مدارج السالكين وجد من ذلك الكثير، وانظر مقدمة «بدائع التفسير» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت