الأقوال الثلاثة في إفادة الواو للترتيب. وأكثر الأصوليين لا يعرفونه ولا يحكونه وهو قول ابن أبي موسى من أصحاب أحمد ولعله أرجح الأقوال [1] .
الثالث: أن لبداءة الرب تعالى بالوجه دون سائر الأعضاء خاصة فيجب مراعاتها ألا تلغى وتهدر، فيهدر ما اعتبره الله، ويؤخر ما قدمه الله.
وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلّم إلى أن «ما قدمه الله فإنه ينبغي تقديمه ولا يؤخر» [2] ، بل يقدم ما قدمه الله ويؤخر ما أخره الله، فلما طاف بين الصفا والمروة بدأ بالصفا وقال: «نبدأ بما بدأ الله به» . وفي رواية للنسائي: «ابدءوا بما بدأ الله به» [3] على الأمر، فتأمل بداءته بالصفا معللا ذلك بكون الله بدأ به فلا ينبغي تأخيره، وهكذا يقول المرتبون للوضوء سواء: نحن نبدأ بما بدأ الله به، ولا يجوز تأخير ما قدمه الله، ويتعين البداءة بما بدأ الله به وهذا هو الصواب لمواظبة المبين عن الله مراده على الوضوء المرتب، فاتفق جميع من نقل عنه وضوءه كلهم على إيقاعه مرتبا، ولم ينقل عنه أحد قط أنه أخل بالترتيب مرة واحدة فلو كان الوضوء المنكوس مشروعا لفعله ولو في عمره مرة واحدة، لتبين جوازه لأمته هذا بحمد الله أوضح [4] .
وأما تقديم «النبيين» على «الصديقين» فلما ذكره، ولكون الصديق تابعا للنبي، فإنما استحق اسم «الصديق» بكمال تصديقه للنبي، فهو تابع محض، وتأمل تقديم الصديقين على الشهداء لفضل الصديقين عليهم، وتقديم «الشهداء» على «الصالحين» لفضلهم عليهم.
وأما تقديم «السمع» على «البصر» ، فهو متقدم عليه حيث وقع في القرآن مصدرا أو فعلا أو اسما، فالأول كقوله تعالى: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤََادَ كُلُّ أُولََئِكَ كََانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا}
[الإسراء: 36] . الثاني: كقوله تعالى: {إِنَّنِي مَعَكُمََا أَسْمَعُ وَأَرى ََ} [طه: 46] . والثالث:
كقوله تعالى: {سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [الحج: 61] {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الإسراء: 1] {وَكََانَ اللََّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء: 134] فاحتج بهذا من يقول: إن السمع أشرف من البصر، وهذا قول
(1) انظر المقدمة.
(2) مسلم (1218/ 147) في الحج: باب: حجة النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو داود (1905) في الحج، باب: أمر الصفا والمروة.
(3) النسائي (2970) في الحج، باب: ذكر الصفا والمروة.
(4) ولو تأمل أهل التحقيق هذه المسألة، لكان كثير من الخلاف قد اضمحل، وكثير من النزاع تلاشى ولكن هي الآراء التي أفسدت كثيرا من الأحوال ولا حول ولا قوّة إلا بالله.