فهرس الكتاب

الصفحة 236 من 490

نقول؟ فقال الآخر: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا، فقال الثالث: إن كان يسمع إذا جهرنا فهو يسمع إذا أخفينا. ولم يقولوا: أترون الله يرانا، فكان تقديم السمع أهم، والحاجة إلى العلم به أمس.

وسبب ثالث: وهو أن حركة اللسان بالكلام أعظم حركات الجوارح وأشدها تأثيرا في الخير والشر والصلاح والفساد، بل عامة ما يترتب في الوجود من الأفعال إنما ينشأ بعد حركة اللسان، فكان تقديم الصفة المتعلقة به أهم وأولى، وبهذا يعلم تقديمه على العليم، حيث وقع.

وأما تقديم السماء على الأرض ففيه معنى آخر غير ما ذكره وهو أن غالبا تذكر السموات والأرض في سياق آيات الرب الدالة على وحدانيته وربوبيته، ومعلوم أن الآيات في السموات أعظم منها في الأرض لسعتها وعظمها وما فيها من كواكبها وشمسها وقمرها وبروجها وعلوها واستغنائها عن عمد تقلها أو علاقة ترفعها، إلى غير ذلك من عجائبها التي تعتبر الأرض وما فيها كقطرة في سعتها، ولهذا أمر سبحانه بأن يرجع الناظر البصر فيها كرة بعد كرة، ويتأمل استواءها واتساقها وبراءتها من الخلل والفطور، فالآية فيها أعظم من الأرض وفي كل شيء له آية سبحانه وبحمده.

وأما تقديم الأرض عليها في قوله: {وَمََا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقََالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلََا فِي السَّمََاءِ} [يونس: 61] ، وتأخيرها عنها في «سبأ» فتأمل كيف وقع هذا الترتيب في «سبأ» في ضمن قول الكفار: {لََا تَأْتِينَا السََّاعَةُ قُلْ بَلى ََ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عََالِمِ الْغَيْبِ لََا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقََالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمََاوََاتِ وَلََا فِي الْأَرْضِ} [سبأ: 3] ، كيف قدم السموات هنا؟ لأن الساعة إنما تأتي من قبلها وهي غيب فيها ومن جهتها تبتدئ وتنشأ، ولهذا قدم صعق أهل السموات على أهل الأرض عندها، فقال تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمََاوََاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ} [الزمر: 68] .

وأما تقديم الأرض على السماء في سورة يونس [الآية 61] ، فإنه لما كان السياق سياق تحذير وتهديد للبشر وإعلامهم أنه سبحانه عالم بأعمالهم دقيقها وجليلها، وأنه لا يغيب عنه منها شيء، اقتضى ذلك ذكر محلهم وهو الأرض قبل ذكر السماء، فتبارك من أودع كلامه من الحكم والأسرار والعلوم ما يشهد أنه كلام الله، وأن مخلوقا لا يمكن أن يصدر منه مثل هذا الكلام أبدا.

وأما تقديم المال على الولد فلم يطرد في القرآن بل قد جاء مقدما كذلك في قوله:

{وَمََا أَمْوََالُكُمْ وَلََا أَوْلََادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ} [سبأ: 37] ، وقوله: {أَنَّمََا أَمْوََالُكُمْ وَأَوْلََادُكُمْ فِتْنَةٌ}

[التغابن: 15] ، وقوله: {لََا تُلْهِكُمْ أَمْوََالُكُمْ وَلََا أَوْلََادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللََّهِ} [المنافقون: 9] وجاء

ذكر البنين مقدما كما في قوله: {قُلْ إِنْ كََانَ آبََاؤُكُمْ وَأَبْنََاؤُكُمْ وَإِخْوََانُكُمْ وَأَزْوََاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوََالٌ اقْتَرَفْتُمُوهََا} [التوبة: 24] ، وقوله: {زُيِّنَ لِلنََّاسِ حُبُّ الشَّهَوََاتِ مِنَ النِّسََاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنََاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ} [آل عمران: 14] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت