فهرس الكتاب

الصفحة 237 من 490

{وَمََا أَمْوََالُكُمْ وَلََا أَوْلََادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ} [سبأ: 37] ، وقوله: {أَنَّمََا أَمْوََالُكُمْ وَأَوْلََادُكُمْ فِتْنَةٌ}

[التغابن: 15] ، وقوله: {لََا تُلْهِكُمْ أَمْوََالُكُمْ وَلََا أَوْلََادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللََّهِ} [المنافقون: 9] وجاء

ذكر البنين مقدما كما في قوله: {قُلْ إِنْ كََانَ آبََاؤُكُمْ وَأَبْنََاؤُكُمْ وَإِخْوََانُكُمْ وَأَزْوََاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوََالٌ اقْتَرَفْتُمُوهََا} [التوبة: 24] ، وقوله: {زُيِّنَ لِلنََّاسِ حُبُّ الشَّهَوََاتِ مِنَ النِّسََاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنََاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ} [آل عمران: 14] .

فأما تقديم الأموال في تلك المواضع الثلاثة، فلأنها ينتظمها معنى واحد، وهو التحذير من الاشتغال بها والحرص على تحصيلها، حتى يفوته حظه من الله والدار الآخرة، نهى [1]

في موضع عن الالتهاء بها، وأخبر في موضع أنها فتنة، وأخبر في موضع آخر أن الذي يقرب عباده إليه إيمانهم وعملهم الصالح لا أموالهم ولا أولادهم، ففي ضمن هذا النهي عن الاشتغال بها عما يقرب إليه. ومعلوم أن اشتغال الناس بأموالهم والتلاهي بها، أعظم من اشتغالهم بأولادهم. وهذا هو الواقع حتى إن الرجل ليستغرقه اشتغاله بماله عن مصلحة ولده وعن معاشرته وقربه.

وأما تقديمهم على الأموال في تينك الآيتين فلحكمة باهرة، وهي أن «براءة» متضمنة لوعيد من كانت تلك الأشياء المذكورة فيها، أحب إليه من الجهاد في سبيل الله، ومعلوم أن تصور المجاهد فراق أهله وأولاده وآبائه وإخوانه وعشيرته، تمنعه من الخروج عنهم أكثر مما يمنعه مفارقته ماله، فإن تصور مع هذا أن يقتل فيفارقهم فراق الدهر نفرت نفسه عن هذه أكثر وأكثر، ولا يكاد عند هذا التصور يخطر له مفارقة ماله، بل يغيب بمفارقة الأحباب عن مفارقة المال، فكان تقديم هذا الجنس أولى من تقديم المال.

وتأمل هذا الترتيب البديع في تقديم ما قدم وتأخير ما أخر، يطلعك على عظمة هذا الكلام وجلالته، فبدأ أولا بذكر أصول العبد، وهم آباؤه المتقدمون طبعا وشرفا ورتبة، وكان فخر القوم بآبائهم ومحاماتهم عن آبائهم ومناضلتهم عنهم إلى أن احتملوا القتل وسبي الذرية، ولا يشهدون على آبائهم بالكفر والنقيصة، ويرغبون عن دينهم لما في ذلك من إزرائهم بهم.

ثم ذكر الفروع وهم الأبناء لأنهم يتلونهم في الرتبة، وهم أقرب أقاربهم إليهم وأعلق بقلوبهم وألصق بأكبادهم من الإخوان والعشيرة.

ثم ذكر الإخوان وهم الكلالة وحواشي النسب، فذكر الأصول أولا ثم الفروع ثانيا، ثم النظراء ثالثا، ثم الأزواج رابعا لأن الزوجة أجنبية عنده، ويمكن أن يتعوض عنها بغيرها،

(1) في المطبوعة «فهي» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت