وهي إنما تراد للشهوة. وأما الأقارب من الآباء والأبناء والإخوان فلا عوض عنهم، ويرادون للنصرة والدفاع، وذلك مقدم على مجرد الشهوة.
ثم ذكر القرابة البعيدة خامسا وهي العشيرة وبنو العم فإن عشائرهم كانوا بني عمتهم غالبا وإن كانوا أجانب فأولى بالتأخير.
ثم انتقل إلى ذكر الأموال بعد الأقارب سادسا، ووصفها بكونها مقترفة أي مكتسبة لأن القلوب إلى ما اكتسبته من المال أميل وله أحب وبقدره أعرف لما حصل له فيه من التعب والمشقة، بخلاف مال جاء عفوا بلا كسب من ميراث أو هبة أو وصية، فإن حفظه للأول ومراعاته له وحرصه على بقائه أعظم من الثاني، والحس شاهد بهذا، وحسبك به.
ثم ذكر التجارة سابعا لأن محبة العبد للمال أعظم من محبته للتجارة التي يحصله بها، فالتجارة عنده وسيلة إلى المال المقترف، فقدم المال على التجارة تقديم الغايات على وسائلها، ثم وصف التجارة بكونها مما يخشى كسادها، وهذا يدل على شرفها وخطرها، وأنه قد بلغ قدرها إلى أنها مخوفة الكساد.
ثم ذكر الأوطان ثامنا آخر المراتب لأن تعلق القلب بها دون تعلقه بسائر ما تقدم، فإن الأوطان تتشابه، وقد يقوم الوطن الثاني مقام الأول من كل وجه ويكون خيرا منه، فمنها عوض. وأما الآباء والأبناء والأقارب والعشائر فلا يتعوض منها بغيرها، فالقلب وإن كان يحن إلى وطنه الأول، فحنينه إلى آبائه وأبنائه وزوجاته أعظم، فمحبة الوطن آخر المراتب، وهذا هو الواقع إلا لعارض يترجح عنده إيثار البعيد على القريب فذلك جزئي لا كلي فلا تناقض به، وأما عند عدم العوارض، فهذا هو الترتيب المناسب والواقع.
وأما آية آل عمران، فإنها لما كانت في سياق الإخبار بما زين للناس من الشهوات التي آثروها على ما عند الله واستغنوا بها، قدم ما تعلق الشهوة به أقوى والنفس إليه أشد سعرا وهو النساء، التي فتنتهن أعظم فتن الدنيا، وهي القيود التي حالت بين العباد وبين سيرهم إلى الله، ثم ذكر البنين المتولدين منهن، فالإنسان يشتهي المرأة للّذة والولد، وكلاهما مقصود له لذاته، ثم ذكر شهوة الأموال، لأنها تقصد لغيرها فشهوتها شهوة الوسائل، وقدم أشرف أنواعها، وهو الذهب، ثم الفضة بعده، ثم ذكر الشهوة المتعلقة بالحيوان الذي لا يعاشر عشرة النساء والأولاد، فالشهوة المتعلقة به دون الشهوة المتعلقة بها. وقدم أشرف هذا النوع وهو الخيل، فإنها حصون القوم ومعاقلهم وعزهم وشرفهم، فقدمها على الأنعام التي هي الإبل والبقر والغنم، ثم ذكر الأنعام وقدمها على الحرث لأن الجمال بها
والانتفاع أظهر وأكثر من الحرث كما قال تعالى: {وَلَكُمْ فِيهََا جَمََالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ} (6) [النحل] . والانتفاع بها أكثر من الحرث، فإنها ينتفع بها ركوبا وأكلا وشربا ولباسا وأمتعة وأسلحة ودواء وقنية، إلى غير ذلك من وجوه الانتفاع، وأيضا فصاحبها أعز من صاحب الحرث وأشرف وهذا هو الواقع فإن صاحب الحرث لا بد له من نوع مذلة ولهذا قال بعض السلف وقد رأى سكة: ما دخل هذا دار قوم إلا دخلهم الذل، فجعل الحرث في آخر المراتب وضعا له في موضعه.