فهرس الكتاب

الصفحة 239 من 490

وأما آية آل عمران، فإنها لما كانت في سياق الإخبار بما زين للناس من الشهوات التي آثروها على ما عند الله واستغنوا بها، قدم ما تعلق الشهوة به أقوى والنفس إليه أشد سعرا وهو النساء، التي فتنتهن أعظم فتن الدنيا، وهي القيود التي حالت بين العباد وبين سيرهم إلى الله، ثم ذكر البنين المتولدين منهن، فالإنسان يشتهي المرأة للّذة والولد، وكلاهما مقصود له لذاته، ثم ذكر شهوة الأموال، لأنها تقصد لغيرها فشهوتها شهوة الوسائل، وقدم أشرف أنواعها، وهو الذهب، ثم الفضة بعده، ثم ذكر الشهوة المتعلقة بالحيوان الذي لا يعاشر عشرة النساء والأولاد، فالشهوة المتعلقة به دون الشهوة المتعلقة بها. وقدم أشرف هذا النوع وهو الخيل، فإنها حصون القوم ومعاقلهم وعزهم وشرفهم، فقدمها على الأنعام التي هي الإبل والبقر والغنم، ثم ذكر الأنعام وقدمها على الحرث لأن الجمال بها

والانتفاع أظهر وأكثر من الحرث كما قال تعالى: {وَلَكُمْ فِيهََا جَمََالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ} (6) [النحل] . والانتفاع بها أكثر من الحرث، فإنها ينتفع بها ركوبا وأكلا وشربا ولباسا وأمتعة وأسلحة ودواء وقنية، إلى غير ذلك من وجوه الانتفاع، وأيضا فصاحبها أعز من صاحب الحرث وأشرف وهذا هو الواقع فإن صاحب الحرث لا بد له من نوع مذلة ولهذا قال بعض السلف وقد رأى سكة: ما دخل هذا دار قوم إلا دخلهم الذل، فجعل الحرث في آخر المراتب وضعا له في موضعه.

ويتعلق بهذا نوع آخر من التقديم لم يذكره، وهو تقديم الأموال على الأنفس في الجهاد حيث ما وقع في القرآن إلا في موضع واحد وهو قوله:

{إِنَّ اللََّهَ اشْتَرى ََ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوََالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقََاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللََّهِ} [التوبة: 111] ، وأما سائر المواضع فقدم فيها المال نحو قوله: {وَتُجََاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللََّهِ بِأَمْوََالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} [الصف: 11] وقوله: {وَجََاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللََّهِ بِأَمْوََالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ} [التوبة: 20] ، وهو كثير فما الحكمة في تقديم المال على النفس، وما الحكمة في تأخيره في هذا الموضع وحده؟ وهذا لم يتعرض له السهيلي رحمه الله.

فيقال أولا: هذا دليل على وجوب الجهاد بالمال، كما يجب بالنفس، فإذا دهم العدو وجب على القادر الخروج بنفسه، فإن كان عاجزا وجب عليه أن يكتري بماله، وهذا إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، والأدلة عليها أكثر من أن تذكر هنا.

ومن تأمل أحوال النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته في أصحابه وأمرهم بإخراج أموالهم في الجهاد قطع بصحة هذا القول، والمقصود تقديم المال في الذكر، وإن ذلك مشعر بإنكار، وهم من يتوهم أن العاجز بنفسه إذا كان قادرا على أن يغزي بماله لا يجب عليه شيء، فحيث ذكر الجهاد قدم ذكر المال فكيف يقال: لا يجيب به، ولو قيل: إن وجوبه بالمال أعظم وأقوى من وجوبه بالنفس، لكان هذا القول أصح من قول من قال: لا يجب بالمال، وهذا بين وعلى هذا فتظهر الفائدة في تقديمه في الذكر.

وفائدة ثانية على تقدير عدم الوجوب، وهي: أن المال محبوب النفس ومعشوقها التي تبذل ذاتها في تحصيله وترتكب الأخطار وتتعرض للموت في طلبه، وهذا يدل على أنه هو محبوبها ومعشوقها، فندب الله تعالى محبيه المجاهدين في سبيله، إلى بذل معشوقهم ومحبوبهم في مرضاته فإن المقصود أن يكون الله هو أحب شيء إليهم، ولا يكون في الوجود شيء أحب إليهم منه، فإذا بذلوا محبوبهم في حبه، نقلهم إلى مرتبة أخرى أكمل منها، وهي

بذل نفوسهم له. فهذا غاية الحب فإن الإنسان لا شيء أحب إليه من نفسه، فإذا أحب شيئا بذل له محبوبه من نفعه وماله، فإذا آل الأمر إلى بذل نفسه ضن بنفسه وآثرها على محبوبه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت