فهرس الكتاب

الصفحة 240 من 490

وفائدة ثانية على تقدير عدم الوجوب، وهي: أن المال محبوب النفس ومعشوقها التي تبذل ذاتها في تحصيله وترتكب الأخطار وتتعرض للموت في طلبه، وهذا يدل على أنه هو محبوبها ومعشوقها، فندب الله تعالى محبيه المجاهدين في سبيله، إلى بذل معشوقهم ومحبوبهم في مرضاته فإن المقصود أن يكون الله هو أحب شيء إليهم، ولا يكون في الوجود شيء أحب إليهم منه، فإذا بذلوا محبوبهم في حبه، نقلهم إلى مرتبة أخرى أكمل منها، وهي

بذل نفوسهم له. فهذا غاية الحب فإن الإنسان لا شيء أحب إليه من نفسه، فإذا أحب شيئا بذل له محبوبه من نفعه وماله، فإذا آل الأمر إلى بذل نفسه ضن بنفسه وآثرها على محبوبه.

وهذا هو الغالب وهو مقتضى الطبيعة الحيوانية والإنسانية ولهذا يدافع الرجل عن ماله وأهله وولده، فإذا أحس بالمغلوبية والوصول إلى مهجته ونفسه، فر وتركهم فلم يرض الله من محبيه بهذا، بل أمرهم أن يبذلوا له نفوسهم بعد أن بذلوا له محبوباتها. وأيضا فبذل النفس آخر المراتب، فإن العبد يبذل ماله أولا يقي به نفسه، فإذا لم يبق له مال بذل نفسه، فكان تقديم المال على النفس في الجهاد مطابقا للواقع.

وأما قوله: {إِنَّ اللََّهَ اشْتَرى ََ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوََالَهُمْ} [التوبة: 111] فكان تقديم الأنفس هو الأولى لأنها هي المشتراة في الحقيقة وهي مورد العقد وهي السلعة التي استامها ربها وطلب شراءها لنفسه وجعل ثمن هذا العقد رضاء وجنته، فكانت هي المقصود بعقد الشراء، والأموال تبع لها فإذا ملكها مشتريها ملك مالها، فإن العبد وما يملكه لسيده ليس له فيه شيء، فالمالك الحق إذا ملك النفس ملك أموالها ومتعلقاتها، فحسن تقديم النفس على المال في هذه الآية حسنا لا مزيد عليه.

فلنرجع إلى كلام السهيلي رحمه الله وأما ما ذكره من تقديم الغفور على الرحيم فحسن جدا.

وأما تقديم الرحيم على الغفور في موضع واحد وهو «أول سبأ» ، ففيه معنى غير ما ذكره، يظهر لمن تأمل سياق أوصافه العلى، وأسمائه الحسنى، في أول السورة إلى قوله:

{وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ} ، فإنه ابتدأ سبحانه السورة بحمده الذي هو أعم المعارف وأوسع العلوم، وهو متضمن لجميع صفات كماله ونعوت جلاله، مستلزم لها كما هو متضمن لحكمته في جميع أفعاله وأوامره، فهو المحمود على كل حال وعلى كل ما خلقه وشرعه، ثم عقب هذا الحمد بملكه الواسع المديد، فقال: {الْحَمْدُ لِلََّهِ الَّذِي لَهُ مََا فِي السَّمََاوََاتِ وَمََا فِي الْأَرْضِ} ، ثم عقبه بأن هذا الحمد ثابت له في الآخرة غير منقطع أبدا، فإنه حمد يستحقه لذاته وكمال أوصافه، وما يستحقه لذاته دائم بدوامه لا يزول أبدا، وقرن بين الملك والحمد على عادته تعالى في كلامه، فإن اقتران أحدهما بالآخر له كمال زائد على الكمال بكل واحد منهما، فله كمال من ملكه وكمال ومن حمده وكمال من اقتران أحدهما بالآخر، فإن الملك بلا حمد يستلزم نقصا، والحمد بلا ملك يستلزم عجزا، والحمد مع الملك غاية الكمال، ونظير هذا العزة والرحمة، والعفو والقدرة، والغنى والكرم. فوسط الملك بين الجملتين، فجعله

محفوفا بحمد قبله وحمد بعده، ثم عقب هذا الحمد والملك باسم {الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} الدالين على كمال الإرادة وأنها لا تتعلق بمراد إلا لحكمة بالغة وعلى كمال العلم، وأنه يتعلق بظواهر المعلومات فهو متعلق ببواطنها التي لا تدرك إلا بخبرة، فنسبة الحكمة إلى الإرادة كنسبة الخبرة إلى العلم، فالمراد ظاهر والحكمة باطنه، والعلم ظاهر والخبرة باطنه، فكمال الإرادة أن تكون واقعة على وجه الحكمة، وكمال العلم أن يكون كاشفا عن الخبرة، فالخبرة باطن العلم وكماله والحكمة باطن الإرادة وكمالها. فتضمنت الآية إثبات حمده وملكه، وحكمته وعلمه على أكمل الوجود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت