{وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ} ، فإنه ابتدأ سبحانه السورة بحمده الذي هو أعم المعارف وأوسع العلوم، وهو متضمن لجميع صفات كماله ونعوت جلاله، مستلزم لها كما هو متضمن لحكمته في جميع أفعاله وأوامره، فهو المحمود على كل حال وعلى كل ما خلقه وشرعه، ثم عقب هذا الحمد بملكه الواسع المديد، فقال: {الْحَمْدُ لِلََّهِ الَّذِي لَهُ مََا فِي السَّمََاوََاتِ وَمََا فِي الْأَرْضِ} ، ثم عقبه بأن هذا الحمد ثابت له في الآخرة غير منقطع أبدا، فإنه حمد يستحقه لذاته وكمال أوصافه، وما يستحقه لذاته دائم بدوامه لا يزول أبدا، وقرن بين الملك والحمد على عادته تعالى في كلامه، فإن اقتران أحدهما بالآخر له كمال زائد على الكمال بكل واحد منهما، فله كمال من ملكه وكمال ومن حمده وكمال من اقتران أحدهما بالآخر، فإن الملك بلا حمد يستلزم نقصا، والحمد بلا ملك يستلزم عجزا، والحمد مع الملك غاية الكمال، ونظير هذا العزة والرحمة، والعفو والقدرة، والغنى والكرم. فوسط الملك بين الجملتين، فجعله
محفوفا بحمد قبله وحمد بعده، ثم عقب هذا الحمد والملك باسم {الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} الدالين على كمال الإرادة وأنها لا تتعلق بمراد إلا لحكمة بالغة وعلى كمال العلم، وأنه يتعلق بظواهر المعلومات فهو متعلق ببواطنها التي لا تدرك إلا بخبرة، فنسبة الحكمة إلى الإرادة كنسبة الخبرة إلى العلم، فالمراد ظاهر والحكمة باطنه، والعلم ظاهر والخبرة باطنه، فكمال الإرادة أن تكون واقعة على وجه الحكمة، وكمال العلم أن يكون كاشفا عن الخبرة، فالخبرة باطن العلم وكماله والحكمة باطن الإرادة وكمالها. فتضمنت الآية إثبات حمده وملكه، وحكمته وعلمه على أكمل الوجود.
ثم ذكر تفاصيل علمه بما ظهر وما بطن في العالم العلوي والسفلي، فقال: {يَعْلَمُ مََا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمََا يَخْرُجُ مِنْهََا وَمََا يَنْزِلُ مِنَ السَّمََاءِ وَمََا يَعْرُجُ فِيهََا} [الحديد: 4] ثم ختم الآية بصفتين تقتضيان غاية الإحسان إلى خلقه، وهما الرحمة والمغفرة، فيجلب لهم الإحسان والنفع على أتم الوجوه برحمته، ويعفو عن زلتهم، ويهب لهم ذنوبهم ولا يؤاخذهم بها بمغفرته، فقال:
{وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ} [سبأ: 2] ، فتضمنت هذه الآية سعة علمه ورحمته ومغفرته، وهو سبحانه يقرن بين سعة العلم والرحمة كما يقرن بين العلم والحلم، فمن الأول قوله:
{رَبَّنََا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا} [غافر: 7] ومن الثاني: {وَاللََّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ} [النساء:
12]فما قرن شيء إلى شيء أحسن من حلم إلى علم، ومن رحمة إلى علم. وحملة العرش أربعة: اثنان يقولان: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، لك الحمد على حلمك بعد علمك، واثنان يقولان: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، لك الحمد على عفوك بعد قدرتك [1] .
فاقتران العفو بالقدرة كاقتران الحلم والرحمة بالعلم لأن العفو إنما يحسن عند القدرة، وكذلك الحلم والرحمة إنما يحسنان مع العلم، وقدم الرحيم في هذا الموضع لتقدم صفة العلم فحسن ذكر «الرحيم» بعده ليقترن به فيطابق قوله: {رَبَّنََا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا} [غافر: 7] ثم ختم الآية بذكر صفة المغفرة لتضمنها دفع الشر وتضمن ما قبلها جلب الخير، ولما كان دفع الشر مقدما على جلب الخير، قدم اسم الغفور على الرحيم حيث وقع. ولما كان في هذا الموضع تعارض يقتضي تقديم اسمه الرحيم لأجل ما قبله قدم على الغفور.
وأما قوله تعالى: {يََا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرََّاكِعِينَ} (43) [آل عمران] فقد
(1) انظر الدرر المنثور للسيوطي (7/ 274) عن هارون بن رئاب بلفظ «حملة العرش ثمانية» وقال: أخرجه ابن المنذر وأبو الشيخ والبيهقي في الشعب. وذكره ابن كثير (4/ 78) عن شهر بن حوشب.