أبعد النجعة فيما تعسفه من فائدة التقديم، وأتى بما ينبو اللفظ عنه. وقال غيره: السجود كان في دينهم قبل الركوع، وهذا قائل ما لا علم له به.
والذي يظهر في الآية والله أعلم بمراده من كلامه أنها اشتملت على مطلق العبادة وتفصيلها، فذكر الأعم ثم ما هو أخص منه، ثم ما هو أخص من الأخص. فذكر القنوت أولا وهو الطاعة الدائمة فيدخل فيه القيام والذكر والدعاء، وأنواع الطاعة. ثم ذكر ما هو أخص منه وهو السجود الذي يشرع وحده كسجود الشكر والتلاوة، ويشرع في الصلاة، فهو أخص من مطلق القنوت.
ثم ذكر الركوع الذي لا يشرع إلا في الصلاة، فلا يسن الإتيان به منفردا فهو أخص مما قبله.
ففائدة الترتيب النزول من الأعم إلى الأخص إلى أخص منه، وهما طريقتان معروفتان من الكلام: النزول من الأعم إلى الأخص وعكسها وهو الترقي من الأخص، إلى ما هو أعم منه الى ما هو أعمّ.
ونظيرها: {يََا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ}
[الحج: 77] فذكر أربعة أشياء، أخصها: الركوع، ثم السجود أعم منه، ثم العبادة أعم من السجود، ثم فعل الخير العام المتضمن لذلك كله والذي يزيد هذا وضوحا الكلام على ما ذكره بعد هذه الآية من قوله: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطََّائِفِينَ وَالْقََائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [الحج: 26] ، فإنه ذكر أخص هذه الثلاثة، وهو الطواف الذي لا يشرع إلا بالبيت خاصة، ثم انتقل منه إلى الاعتكاف وهو القيام المذكور في الحج، وهو أعم من الطواف، لأنه يكون في كل مسجد ويختص بالمساجد لا يتعداها ثم ذكر الصلاة التي تعم سائر بقاع الأرض سوى ما منع منه مانع أو استثنى شرعا.
وإن شئت قلت: ذكر الطواف الذي هو أقرب العبادات بالبيت، ثم الاعتكاف الذي يكون في سائر المساجد ثم الصلاة التي تكون في البلد كله بل في كل بقعة، فهذا تمام الكلام على ما ذكره من الأمثلة وله رحمه الله مزيد السبق وفضل التقدم [1] .
(1) بدائع الفوائد (1/ 8161) .