فهرس الكتاب

الصفحة 244 من 490

واختلف الفقهاء في حكم هذه المسألة فقال أصحاب مالك: هو تعليق للتعليق. ففي هذا الكلام تعليقان: أحدهما: إن لبست فأنت طالق، ثم علق هذه الجملة المعلقة

بالخروج. فكأنه قال: شرط نفوذ هذا التعليق الخروج، فعلى هذا لا يحنث حتى يوجد الخروج بعد اللبس، وممن نص عليها ابن شاش في «الجواهر» .

وقال أبو اسحاق في «المهذب» . وقد صور المسألة: إن كلمت زيدا إن دخلت الدار فأنت طالق. ثم كلمت زيدا طلقت. وإن كلمت زيدا أولا، ثم دخلت الدار، لم تطلق لأنه جعل دخول الدار شرطا في كلام زيد، فوجب تقديمه عليه، وهكذا عكس قول المالكية.

ورجح أبو المعالي قول المالكية في نهايته، وقد وقع هذا التعليق في كتاب الله عز وجلّ في مواضع.

أحدها: قوله حكاية عن نوح {وَلََا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كََانَ اللََّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ} [هود: 34] وهذا ظاهر في أن الشرط الثاني شرط في الشرط الأول، والمعنى: إن أراد الله أن يغويكم لم ينفعكم نصحي إن أردته، وهذا يشهد لصحة ما قال الشيخ أبو إسحاق.

الموضع الثاني: قوله تعالى {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهََا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرََادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهََا خََالِصَةً لَكَ} [الأحزاب: 50] . قالوا: فهذه الآية ظاهرة في قول المالكية لأن إرادة رسول الله صلى الله عليه وسلم متأخرة عن هبتها، فإنها تجري مجرى القبول في هذا العقد، والإيجاب هو هبتها. ونظير هذا أن يقول: إن وهب لي شيئا إن أردت قبوله أخذته، فإرادة القبول متأخرة عن الهبة، فلا يكون شرطا فيها. قال الأولون: يجوز أن تكون إرادة رسول الله صلى الله عليه وسلم متقدمة، فلما فهمت المرأة منه ذلك وهبت نفسها له، فيكون كالآية الأولى. وهذا غير صحيح، والقصة تأباه فإن المرأة قامت وقالت: يا رسول الله، إني وهبت لك نفسي.

فصعد فيها النظر وصوبه، ثم لم يتزوجها وزوجها غيره [1] .

الموضع الثالث: قوله تعالى: {فَلَوْلََا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهََا إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ} (87) [الواقعة] . المعنى: فلولا ترجعونها، أي تردون الروح إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مربوبين مملوكين إن كنتم صادقين. وهنا: الثاني شرط للأول، والمعنى: إن كنتم صادقين في قولكم فهلا تردونها إن كنتم غير مدينين. ويدل عليه قول الشاعر، أنشده عبد الله بن مالك:

(1) البخاري (5635) في النكاح، باب: السلطان ولي، ومسلم (1425/ 76) في النكاح، باب: الصداق وجواز كونه تعليم قرآن وخاتم حديد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت