فهرس الكتاب

الصفحة 265 من 490

أحدها: أن هذه الأحوال في الكواكب السيارة أعظم آية وعبرة.

والثاني: اشترك أهل الأرض في معرفته بالمشاهدة والعيان [1] .

الثالث: أن البقر والظباء ليست لها حالة تختفي فيها عن العيان مطلقا، بل لا تزال ظاهرة في الفلوات.

الرابع: أن الذين فسروا الآية بذلك قالوا: ليس خنوسها من الاختفاء، قال الواحدي:

هو من الخنس في الأنف، وهو تأخر الأرنبة وقصر القصبة، والبقر والظباء أنوفهن خنس، والبقرة خنساء، والظبي أخنس. ومنه سميت الخنساء [2] لخنس أنفها. ومعلوم أن هذا أمر خفي يحتاج إلى تأمل، وأكثر الناس لا يعرفونه. وآيات الرب التي يقسم بها لا تكون إلا ظاهرة جلية، يشترك في معرفتها الخلائق، وليس الخنس في أنف البقرة والظباء بأعظم من الاستواء والاعتدال في أنف ابن آدم، فالآية فيه أظهر.

الخامس: أن كنوسها في أكنتها ليس بأعظم من دخول الطير وسائر الحيوانات في بيته الذي يأوي فيه، ولا أظهر منه، حتى يتعين للقسم.

السادس: أنه لو كان جمعا للظبي لقال الخنس بالتسكين لأنه جمع أخنس، فهو كأحمر وحمر، ولو أريد به جمع بقرة خنساء، لكان على وزن «فعلاء» أيضا، كحمراء وحمر، فلما جاء جمعه على «فعّل» بالتشديد استحال أن يكون جمعا لواحد من الظباء والبقر. وتعين أن يكون جمعا لخانس، كشاهد وشهد، وصائم وصوم، وقائم وقوم، ونظائرها.

السابع: أنه ليس بالبين إقسام الرب تعالى بالبقر والغزلان، وليس هذا عرف القرآن ولا عادته. وإنما يقسم سبحانه من كل جنس بأعلاه، كما أنه لما أقسم بالنفوس أقسم بأعلاها، وهي النفس الإنسانية. ولما أقسم بكلامه أقسم بأشرفه وأجله، وهو القرآن. ولما أقسم بالعلويات أقسم بأشرفها وهي السماء، وشمسها وقمرها، ونجومها. ولما أقسم بالزمان أقسم بأشرفه، وهو الليالي العشر، وإذا أراد سبحانه أن يقسم بغير ذلك أدرجه في العموم، كقوله: {فَلََا أُقْسِمُ بِمََا تُبْصِرُونَ (38) وَمََا لََا تُبْصِرُونَ} (39) [الحاقة] وقوله: {الذَّكَرَ وَالْأُنْثى ََ} [القيامة: 39] في قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك.

(1) انظر المقدمة في الكلام عن «الإعجاز في القرآن» في العلوم الطبيعية.

(2) هي تماضر بنت عمرو بن الشريد السلمية الشاعرة الصحابية. توفيت سنة 24هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت