فهرس الكتاب

الصفحة 274 من 490

قالت القدرية: لا يجوز حمل هذه الآيات على أنه منعهم من الإيمان، وحال بينهم وبينه، إذ يكون لهم الحجة على الله، ويقولون كيف يأمرنا بأمر، ثم يحول بيننا وبينه، ويعاقبنا عليه، وقد منعنا من فعله؟ وكيف يكلفنا بأمر لا قدرة لنا عليه؟ وهل هذا إلا بمثابة من أمر عبده بالدخول من باب ثم سد عليه الباب سدا محكما لا يمكنه الدخول معه البتة ثم عاقبه أشد العقوبة على عدم الدخول؟، وبمنزلة من أمره بالمشي إلى مكان ثم قيده بقيد لا يمكنه معه نقل قدمه، ثم أخذ يعاقبه على ترك المشي؟

وإذا كان هذا قبيحا في حق المخلوق الفقير المحتاج، فكيف ينسب إلى الرب تعالى مع كمال غناه، وعلمه، وإحسانه، ورحمته؟

قالوا: وقد كذّب الله سبحانه الذين قالوا قلوبنا غلف، وفي أكنة، وإنها قد طبع عليها، وذمهم على هذا القول فكيف ينسب إليه تعالى؟

ولكن القوم لما أعرضوا، وتركوا الاهتداء بهداه الذي بعث به رسله حتى صار ذلك الإعراض والنفار كالإلف، والطبيعة، والسجية أشبه حالهم حال من منع عن الشيء وصد عنه، وصار هذا وقرا في آذانهم، وختما على قلوبهم، وغشاوة على أعينهم، فلا يخلص إليها الهدى.

وإنما أضاف الله تعالى ذلك إليه لأن هذه الصفة قد صارت في تمكنها، وقوة ثباتها كالخلقة التي خلق عليها العبد. قالوا: ولهذا قال تعالى: {كَلََّا بَلْ رََانَ عَلى ََ قُلُوبِهِمْ مََا كََانُوا يَكْسِبُونَ} (14) [المطففين] .

وقال: {بَلْ طَبَعَ اللََّهُ عَلَيْهََا بِكُفْرِهِمْ} [النساء: 155] وقال: {فَلَمََّا زََاغُوا أَزََاغَ اللََّهُ قُلُوبَهُمْ}

[الصف: 5] .

وقال: {فَأَعْقَبَهُمْ نِفََاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلى ََ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمََا أَخْلَفُوا اللََّهَ مََا وَعَدُوهُ وَبِمََا كََانُوا يَكْذِبُونَ} (77) [التوبة] .

ولعمر الله إن الذي قاله هؤلاء، حقه أكثر من باطله وصحيحه أكثر من سقيمه، ولكن لم يوفوه حقه وعظموا الله من جهة، وأخلوا بتعظيمه من جهة فعظموه بتنزيهه عن الظلم وخلاف الحكمة، وأخلوا بتعظيمه من جهة التوحيد، وكمال القدرة ونفوذ المشيئة.

والقرآن يدل على صحة ما قالوه في الران، والطبع، والختم من وجه، وبطلانه من وجه.

وأما صحته فإنه سبحانه جعل ذلك عقوبة لهم، وجزاء على كفرهم وإعراضهم عن الحق بعد

أن عرفوه، كما قال تعالى: {فَلَمََّا زََاغُوا أَزََاغَ اللََّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللََّهُ لََا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفََاسِقِينَ} [الصف: 5] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت