فهرس الكتاب

الصفحة 276 من 490

وكذلك عماهم عن الهدى في الآخرة عقوبة لهم على عماهم في الدنيا، لكن أسباب هذه الجرائم في الدنيا كانت مقدورة لهم واقعة باختيارهم، وإرادتهم وفعلهم، فإذا وقعت عقوبات لهم تكن مقدورة، بل قضاء جار ماض عدل فيهم. وقال تعالى: {وَمَنْ كََانَ فِي هََذِهِ أَعْمى ََ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى ََ وَأَضَلُّ سَبِيلًا} (72) [الإسراء] .

ومن هاهنا ينفتح للعبد باب واسع عظيم النفع جدا، في قضاء الله المعصية والكفر والفسوق على العبد، وأن ذلك محض عدل فيه.

وليس المراد بالعدل ما يقوله الجبرية: إنه الممكن، فكل ما يمكن فعله بالعبد فهو عندهم عدل، والظلم هو الممتنع لذاته، فهؤلاء قد سدوا على أنفسهم باب الكلام في الأسباب والحكم.

ولا المراد به ما يقوله القدرية النفاة: إنه إنكار عموم قدرة الله ومشيئته على أفعال عباده، وهدايتهم وإضلالهم، وعموم مشيئته لذلك، وإن الأمر إليهم لا إليه.

وتأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ماض فيّ حكمك، عدل فيّ قضاؤك» [1] ، كيف ذكر العدل في القضاء مع الحكم النافذ، وفي ذلك رد لقول الطائفتين القدرية والجبرية، فإن العدل الذي أثبتته الجبرية مناف للحكمة والرحمة، ولحقيقة العدل.

والعدل الذي هو اسمه وصفته ونعته سبحانه خارج عن هذا وهذا، ولم يعرفه إلا الرسل وأتباعهم. ولهذا قال هود عليه الصلاة والسلام لقومه {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللََّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مََا مِنْ دَابَّةٍ إِلََّا هُوَ آخِذٌ بِنََاصِيَتِهََا إِنَّ رَبِّي عَلى ََ صِرََاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (56) [هود] .

فأخبر عن عموم قدرته، ونفوذ مشيئته، وتصرفه في خلقه كيف شاء، ثم أخبر أنه في هذا التصرف والحكم على صراط مستقيم.

وقال أبو إسحاق: أي: هو سبحانه، وإن كانت قدرته تنالهم بما شاء فإنه لا يشاء إلا العدل.

وقال ابن الأنباري، لما قال: {هُوَ آخِذٌ بِنََاصِيَتِهََا} ، كان في معنى: لا يخرج من قبضته، وأنه قاهر بعظيم سلطانه لكل دابة فأتبعه قوله: {إِنَّ رَبِّي عَلى ََ صِرََاطٍ مُسْتَقِيمٍ} .

قال: وهذا نحو كلام العرب إذا وصفوا بحسن السيرة والعدل والإنصاف قالوا: فلان على طريقة حسنة، وليس ثم طريق، ثم ذكر وجها آخر فقال: لما ذكر أن سلطانه قد قهر كل

(1) رواه الإمام أحمد (1/ 391) ، وقال الهيثمي في المجمع (10/ 139) : «رجال أحمد الصحيح غير أبي سلمة الجهني وقد وثقه ابن حبان» ، وصحّح إسناده الشيخ أحمد شاكر (3712) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت