فهرس الكتاب

الصفحة 281 من 490

فقولكم لم يبق طريق إلى الإيمان إلا بالقسر باطل، فإنه بقي إلى إيمانهم طريق لم يرهم الله إياه، وهو مشيئته وتوفيقه وإلهامه، وإمالة قلوبهم إلى الهدى، وإقامتها على الصراط المستقيم. ذلك أمر لا يعجز عنه رب كل شيء ومليكه، بل هو القادر عليه، كقدرته على خلقه ذواتهم وصفاتهم وذرياتهم، ولكن منعهم ذلك لحكمته وعدله فيهم، وعدم استحقاقهم وأهليتهم لبذل ذلك لهم، كما منع السفيل خصائص العلو، ومنع الحار خصائص البارد، ومنع الخبيث خصائص الطيب.

ولا يقال فلم يليق فعل هذا؟ فإن ذلك من لوازم ملكه، وربوبيته، ومن مقتضيات أسمائه وصفاته، وهل يليق بحكمته أن يسوي بين الطيب والخبيث، والحسن والقبيح، والجيد والرديء؟

ومن لوازم الربوبية خلق الزوجين، وتنويع المخلوقات وأخلاقها.

فقول القائل لم خلق الرديء والخبيث واللئيم؟ سؤال جاهل بأسمائه وصفاته، وملكه وربوبيته.

وهو سبحانه فرق بين خلقه أعظم تفريق، وذلك من كمال قدرته، وربوبيته، فجعل منه ما يقبل جميع الكمال الممكن، ومنه ما لا يقبل شيئا منه، وبين ذلك درجات متفاوتة لا يحصيها إلا الخلّاق العليم. وهدى كل نفس إلى حصول ما هي قابلة له، والقابل والمقبول كله مفعوله ومخلوقه، وأثر فعله وخلقه. وهذا هو الذي ذهب عن الجبرية والقدرية، ولم يهتدوا إليه، وبالله التوفيق.

قالت القدرية: الختم الطبع هو شهادته سبحانه عليهم بأنهم لا يؤمنون، وعلى أسماعهم، وعلى قلوبهم.

قال أهل السنة: هذا هو قولكم: بأن الختم والطبع هو الإخبار عنهم ذلك، وقد تقدم فساد هذا بما فيه كفاية، وأنه لا يقال في لغة من لغات الأمم لمن أخبر عن غيره بأنه مطبوع على قلبه، وإن عليه ختما، وإنه قد طبع على قلبه وختم عليه، بل هذا كذب على اللغات، وعلى القرآن.

وكذلك قول من قال إن ختمه على قلوبهم اطلاعه على ما فيها من الكفر.

وكذلك قول من قال إنه إحصاؤه عليهم حتى يجازيهم به، وقول من قال: إنه إعلامها بعلامة تعرفها بها الملائكة، وقد بينا بطلان ذلك بما فيه كفاية [1] .

(1) سبق ذلك في فصل تحميل اللفظ ما لا يحتمل (213)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت