فهرس الكتاب

الصفحة 282 من 490

قالت القدرية: لا يلزم من الطبع والختم والقفل أن تكون مانعة من الإيمان، بل يجوز أن يجعل الله فيهم من غير أن يكون منعهم من الإيمان، بل يكون ذلك من جنس الغفلة، والبلادة، والعشا في البصر فيورث ذلك إعراضا عن الحق وتعميا عنه، ولو أنعم النظر، وتفكر وتدبر لما آثر على الإيمان غيره.

وهذا الذي قالوه يجوز أن يكون في أول الأمر فإن تمكن واستحكم من القلب ورسخ فيه امتنع معه الإيمان، ومع هذا فهو أثر فعله، وإعراضه وغفلته وإيثار شهوته وكبره على الحق والهدى، فلما تمكن فيه واستحكم صار صفة راسخة، وطبعا، وختما وقفلا، ورينا، فكان مبدؤه حائلا بينهم وبين الإيمان، والإيمان ممكن معه لو شاءوا لآمنوا مع مبادئ تلك الموانع فلما استحكمت لم يبق إلى الإيمان سبيل.

ونظير هذا أن العبد يستحسن ما يهواه فيميل إليه بعض الميل، ففي هذه الحال يمكن صرف الداعية له إذ الأسباب لم تستحكم، فإذا استمر على ميله، واستدعى أسبابه واستمكنت لم يمكنه صرف قلبه عن الهوى، والمحبة فيطبع على قلبه، ويختم عليه فلا يبقى فيه محل لغير ما يهواه ويحبه، وكان الانصراف مقدورا له في أول الأمر، فلما تمكنت أسبابه لم يبق مقدورا له كما قال الشاعر:

تولع بالعشق حتى عشق ... فلما استقل به لم يطق

رأى لجة ظنها موجة ... فلما تمكن منها غرق

فلو أنهم بادروا في مبدأ الأمر إلى مخالفة الأسباب الصادة عن الهدى لسهل عليهم، ولما استعصى عليهم، ولقدروا عليه.

ونظير ذلك المبادرة إلى إزالة العلة قبل استحكام أسبابها، ولزومها للبدن لزوما لا ينفك منها، فإذا استحكمت العلة وصارت كالجزء من البدن عز على الطبيب استنفاذ العليل منها.

ونظير ذلك المتوحل في حمأة، فإنه ما لم يدخل تحتها فهو قادر على التخلص، فإذا توسط معظمها عز عليه وعلى غيره إنقاذه، فمبادئ الأمور مقدورة للعبد، فإذا استحكمت أسبابها وتمكنت لم يبق الأمر مقدورا له.

فتأمل هذا الموضع حق التأمل فإنه من أنفع الأشياء في باب القدر، والله الموفق للصواب.

والله سبحانه جاعل ذلك كله، وخالقه فيهم بأسباب منهم، وتلك الأسباب قد تكون أمورا عدمية يكفي فيها عدم مشيئة أضدادها، فلا يشاء سبحانه أن يخلق للعبد أسباب

الهدى فيبقي على العدم الأصلي، وإن أراد من عبده الهداية فهي لا تحصل حتى يريد من نفسه إعانته وتوفيقه، فإذا لم يرد سبحانه من نفسه ذلك لم تحصل الهداية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت