والله سبحانه جاعل ذلك كله، وخالقه فيهم بأسباب منهم، وتلك الأسباب قد تكون أمورا عدمية يكفي فيها عدم مشيئة أضدادها، فلا يشاء سبحانه أن يخلق للعبد أسباب
الهدى فيبقي على العدم الأصلي، وإن أراد من عبده الهداية فهي لا تحصل حتى يريد من نفسه إعانته وتوفيقه، فإذا لم يرد سبحانه من نفسه ذلك لم تحصل الهداية.
ومما ينبغي أن يعلم أنه لا يمتنع مع الطبع والختم والقفل حصول الإيمان، بأن يفك الذي ختم على القلب، وطبع عليه، وضرب عليه القفل ذلك الختم والطابع والقفل، ويهديه بعد ضلاله، ويعلمه بعد جهله، ويرشده بعد غيه، ويفتح قفل قلبه بمفاتيح توفيقه التي هي بيده، حتى لو كتب على جبينه الشقاوة والكفر لم يمتنع أن يمحوها، ويكتب عليه السعادة والإيمان.
وقرأ قارئ عند عمر بن الخطاب {أَفَلََا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى ََ قُلُوبٍ أَقْفََالُهََا} (24) [محمد] ، وعنده شاب فقال: اللهم عليها أقفالها ومفاتيحها بيدك لا يفتحها سواك فعرفها له عمر وزادته عنده خيرا.
وكان عمر يقول في دعائه: اللهم إن كنت كتبتني شقيا فامحني واكتبني سعيدا فإنك تمحو ما تشاء وتثبت. فالرب تعالى فعال لما يريد، لا حجر عليه.
وقد ضل هاهنا فريقان:
القدرية حيث زعمت أن ذلك ليس مقدّرا للرب، ولا يدخل تحت فعله إذ لو كان مقدورا له، ومنعه العبد لناقض جوده ولطفه.
والجبرية حيث زعمت أنه سبحانه إذا قدر، أو علم شيئا فإنه لا يغيره بعد هذا، ولا يتصرف فيه بخلاف ما قدره وعلمه.
والطائفتان حجرت على من لا يدخل تحت حجر أحد أصلا، وجميع خلقه تحت حجره شرعا وقدرا. وهذه المسألة من أكبر مسائل القدر، والمقصود: أنه مع الطبع والختم والقفل لو تعرض العبد أمكنه فك ذلك الختم والطابع، وفتح ذلك القفل، يفتحه من بيده مفاتيح كل شيء، وأسباب الفتح مقدورة للعبد غير ممتنعة عليه. وإن كان فك الختم، وفتح القفل غير مقدور له، كما أن شرب الدواء مقدور له، وزوال العلة وحصول العافية غير مقدور، فإذا استحكم به المرض وصار صفة لازمة له لم يكن له عذر في تعاطي ما إليه من أسباب الشفاء، وإن كان غير مقدور له.
ولكن لما ألف العلة وساكنها، ولم يحب زوالها، ولا آثر ضدها عليها مع معرفته بما
بينها وبين ضدها من التفاوت فقد سد على نفسه باب الشفاء بالكلية.