فهرس الكتاب

الصفحة 285 من 490

ومعلوم أن هذا ليس حكما يعم جميع الكفار، بل الذين آمنوا وصدقوا الرسل كان

أكثرهم كفارا قبل ذلك، ولم يختم على قلوبهم، وعلى أسماعهم. فهذه الآيات في حق أقوام مخصوصين من الكفار، فعل الله بهم ذلك عقوبة منه لهم في الدنيا بهذا النوع من العقوبة العاجلة، كما عاقب بعضهم بالمسخ قردة وخنازير، وبعضهم بالطمس على أعينهم.

فهو سبحانه يعاقب بالطمس على القلوب كما يعاقب بالطمس على الأعين، وهو سبحانه قد يعاقب بالضلال عن الحق عقوبة دائمة مستمرة، وقد يعاقب به إلى وقت ثم يعافي عبده ويهديه، كما يعاقب بالعذاب كذلك.

وهنا عدة أمور عاقب بها الكفار بمنعهم عن الإيمان، وهي: الختم، والطبع، والأكنة والغطاء، والغلاف، والحجاب، والوقر، والغشاوة، والران، والغل، والسد، والقفل، والصمم، والبكم، والعمي، والصد، والصرف، والشد على القلب، والضلال، والإغفال، والمرض، وتقليب الأفئدة، والحول بين المرء وقلبه، وإزاغة القلوب، والخذلان، والإركاس، والتثبيط، والتزيين، وعدم إرادة هداهم وتطهيرهم، وإماتة قلوبهم بعد خلق الحياة فيها فتبقى على الموت الأصلي، وإمساك النور عنها فتبقى في الظلمة الأصلية، وجعل القلب قلبا قاسيا لا ينطبع فيه مثال الهدى وصورته، وجعل الصدر ضيقا حرجا لا يقبل الإيمان.

وهذه الأمور منها ما يرجع إلى القلب: كالختم، والطبع، والقفل، والأكنة، والإغفال والمرض ونحوها.

ومنها ما يرجع إلى رسوله الموصل إليه الهدى كالصمم والوقر.

ومنها ما يرجع إلى طليعته ورائده كالعمى والعشا.

ومنها ما يرجع إلى ترجمانه ورسوله المبلغ عنه كالبكم النطقي، وهو نتيجة البكم القلبي، فإذا بكم القلب بكم اللسان.

ولا تصغ إلى قول من يقول: إن هذه مجازات واستعارات، فإنه قال بحسب مبلغه من العلم والفهم عن الله ورسوله.

وكأن هذا القائل حقيقة القفل عنده أن يكون من حديد، والختم أن يكون بشمع أو طين، والمرض أن يكون حمى بنافض [1] ، أو قولنج [2] أو غيرهما من أمراض البدن،

(1) نافض: حمى الرعدة.

(2) وقد تكسر لامه أو هو مكسور اللام ويفتح القاف ويضم: مرض معوي مؤلم، يعسر معه خروج الثفل والريح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت