فهرس الكتاب

الصفحة 286 من 490

والموت: هو مفارقة الروح للبدن ليس إلا، والعمى: ذهاب ضوء العين الذي تبصر به.

وهذه الفرقة من أغلظ الناس حجابا، فإن هذه الأمور إذا أضيفت إلى محالها كانت بحسب تلك المحال، فنسبة قفل القلب إلى القلب كنسبة قفل الباب إليه، وكذلك الختم، والطابع الذي هو عليه هو بالنسبة إليه كالختم، والطابع الذي على الباب والصندوق ونحوهما، وكذلك نسبة الصمم والعمى إلى الأذن والعين، وكذلك موته وحياته نظير موت البدن وحياته، بل هذه الأمور ألزم للقلب منها للبدن.

فلو قيل: إنها حقيقة في ذلك مجاز في الأجسام المحسوسة لكان مثل قول هؤلاء وأقوى منه، وكلاهما باطل، العمى في الحقيقة والبكم والموت والقفل للقلب، ثم قال تعالى: {فَإِنَّهََا لََا تَعْمَى الْأَبْصََارُ وَلََكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46] .

والمعنى: أنه معظم العمى وأصله، وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الربا في النسيئة» [1] .

وقوله: «إنما الماء من الماء» [2] .

وقوله: «ليس الغنى عن كثرة العرض [3] إنما الغنى غنى النفس» [4] .

وقوله: «ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان إنما المسكين الذي لا يجد ما يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه» [5] .

وقوله: «ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» [6] .

ولم يرد نفي الاسم عن هذه المسميات، إنما أراد أن هؤلاء أولى بهذه الأسماء، وأحق ممن يسمونه بها، فهكذا قوله: {فَإِنَّهََا لََا تَعْمَى الْأَبْصََارُ وَلََكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} .

وقريب من هذا قوله: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلََكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللََّهِ}

(1) البخاري (2178، 2179) في البيوع، باب: بيع الدينار بالدينار نساء، ومسلم (1596/ 101) في المساقاة، باب: بيع الطعام مثلا بمثل.

(2) مسلم (343/ 80) في الحيض، باب: إنما الماء من الماء.

(3) العرض: هو ما يتموله الإنسان ويقتنيه من المال وغيره.

(4) البخاري (6446) في الرقاق، باب: الغنى غنى النفس، ومسلم (1051/ 120) في الزكاة، باب:

ليس الغنى عن كثرة العرض.

(5) البخاري (1476) في الزكاة، باب: قول الله تعالى: {لََا يَسْئَلُونَ النََّاسَ إِلْحََافًا} ، ومسلم (1039/ 101) في الزكاة، باب: المسكين الذي لا يجد غنى، ولا يفطن له فيتصدق عليه.

(6) البخاري (6114) في الأدب، باب: الحذر من الغضب، ومسلم (2609/ 107) في البر والصلة، باب: فضل من يملك نفسه عند الغضب، وبأي شيء يذهب الغضب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت