فهرس الكتاب

الصفحة 301 من 490

يطرق، ومنه شخص بصر الميت، ولما مالت الأبصار عن كل شيء فلم تنظر إلا إلى هؤلاء الذين أقبلوا إليهم من كل جانب اشتغلت عن النظر إلى شيء أخر، فمالت عنه وشخصت بالنظر إلى الأحزاب.

وقال الكلبي: مالت أبصارهم إلا من النظر إليهم.

وقال الفراء: زاغت عن كل شيء فلم تلتفت إلا إلى عدوها متحيرة تنظر إليه.

قلت: القلب إذا امتلأ رعبا شغله عن ملاحظة ما سوى المخوف، فزاغ البصر عن الوقوع عليه، وهو مقابله.

وأما الخذلان فقال تعالى: {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللََّهُ فَلََا غََالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ} [آل عمران: 160] .

وأصل الخذلان: الترك والتخلية، ويقال للبقرة والشاة إذا تخلفت مع ولدها في المرعى وتركت صواحباتها: خذول.

قال محمد بن إسحاق في هذه الآية: إن ينصرك الله فلا غالب لك من الناس ولن يضرك خذلان من خذلك، وإن يخذلك فلن ينصرك الناس، أي لا تترك أمري للناس، وارفض الناس لأمري.

والخذلان: أن يخلي الله تعالى بين العبد وبين نفسه ويكله إليها، والتوفيق ضده: ألا يدعه ونفسه، ولا يكله إليها بل يصنع له ويلطف به، ويعينه ويدفع عنه، ويكلأه كلاءة الوالد الشفيق للولد العاجز عن نفسه، فمن خلى بينه وبين نفسه فقد هلك كل الهلاك ولهذا كان من دعائه صلى الله عليه وسلم: «يا حي يا قيوم يا بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، لا إله إلا أنت، برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين، ولا إلى أحد من خلقك» [1] .

فالعبد مطروح بين الله، وبين عدوه إبليس، فإن تولاه الله لم يظفر به عدوه، وإن خذله، وأعرض عنه افترسه الشيطان كما يفترس الذئب الشاة.

فإن قيل: فما ذنب الشاة إذا خلى الراعي بين الذئب وبينها، وهل يمكنها أن تقوى على الذئب وتنجو منه؟

(1) أبو داود (5090) في الأدب، باب: ما يقول إذا أصبح، وأحمد (4/ 42) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت