فهرس الكتاب

الصفحة 303 من 490

وأما الإركاس فقال تعالى: {* فَمََا لَكُمْ فِي الْمُنََافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللََّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمََا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللََّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللََّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا} (88) [النساء] .

قال الفراء: أركسهم: ردهم إلى الكفر، وقال أبو عبيدة: يقال: ركست الشيء وأركسته، لغتان، إذا رددته، والركس: قلب الشيء على رأسه. أو رد أوله على آخره.

والارتكاس: الارتداد. قال أمية:

فأركسوا في حميم النار إنهم ... كانوا عصاة وقالوا الإفك والزورا

ومن هذا يقال للروث: الركس لأنه رد إلى حال النجاسة، ولهذا المعنى سمي رجيعا، والركس والنكس والمركوس والمنكوس بمعنى واحد.

قال الزجاج: أركسهم: نكسهم وردهم. والمعنى: أنه ردهم إلى حكم الكفر من الذل والصغار.

وأخبر سبحانه عن حكمه وقضائه فيهم وعدله، وإن كان إركاسه كان بسبب كسبهم وأعمالهم، كما قال: {بَلْ رََانَ عَلى ََ قُلُوبِهِمْ مََا كََانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14] فهذا توحيده، وهذا عدله، لا ما تقوله القدرية المعطلة من أن التوحيد إنكار الصفات والعدل والتكذيب بالقدر.

وأما التثبيط فقال تعالى: {وَلَوْ أَرََادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلََكِنْ كَرِهَ اللََّهُ انْبِعََاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقََاعِدِينَ} (46) [التوبة] .

والتثبيط: رد الإنسان عن الشيء الذي يفعله، قال ابن عباس: يريد خذلهم وكسلهم عن الخروج. وقال في رواية أخرى: حبسهم، قال مقاتل: وأوحى إلى قلوبهم اقعدوا مع القاعدين.

وقد بين سبحانه حكمته في هذا التثبيط والخذلان قبل وبعد فقال: {إِنَّمََا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لََا يُؤْمِنُونَ بِاللََّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتََابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} (45) [التوبة: 45] {وَلَوْ أَرََادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلََكِنْ كَرِهَ اللََّهُ انْبِعََاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقََاعِدِينَ} (46) [التوبة: 46] .

فلما تركوا الإيمان به وبلقائه وارتابوا بما لا ريب فيه ولم يريدوا الخروج في طاعة الله، ولم يستعدوا له ولا أخذوا أهبة ذلك كره سبحانه انبعاث من هذا شأنه، فإن من لم يرفع

به، وبرسوله، أو كتابه رأسا، ولم يقبل هديته التي أهداها إليه على يد أحب خلقه إليه وأكرمهم عليه، ولم يعرف قدر هذه النعمة ولا شكرها، بل بدلها كفرا، فإن طاعة هذا وخروجه مع رسوله يكرهه الله سبحانه فثبطه لئلا يقع ما يكره من خروجه وأوحى إلى قلبه قدرا وكونا أن يقعد مع القاعدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت