فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فلما تركوا الإيمان به وبلقائه وارتابوا بما لا ريب فيه ولم يريدوا الخروج في طاعة الله، ولم يستعدوا له ولا أخذوا أهبة ذلك كره سبحانه انبعاث من هذا شأنه، فإن من لم يرفع
به، وبرسوله، أو كتابه رأسا، ولم يقبل هديته التي أهداها إليه على يد أحب خلقه إليه وأكرمهم عليه، ولم يعرف قدر هذه النعمة ولا شكرها، بل بدلها كفرا، فإن طاعة هذا وخروجه مع رسوله يكرهه الله سبحانه فثبطه لئلا يقع ما يكره من خروجه وأوحى إلى قلبه قدرا وكونا أن يقعد مع القاعدين.
ثم أخبر سبحانه عن الحكمة التي تتعلق بالمؤمنين في تثبيط هؤلاء عنهم فقال: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مََا زََادُوكُمْ إِلََّا خَبََالًا وَلَأَوْضَعُوا} [التوبة: 47] .
والخبال: الفساد والاضطراب، فلو خرجوا مع المؤمنين لأفسدوا عليهم أمرهم، فأوقعوا بينهم الاضطراب والاختلاف. قال ابن عباس: ما زادوكم إلا خبالا وعجزا وجبنا، يعني: يجبنوهم عن لقاء العدو بتهويل أمرهم، وتعظيمهم في صدورهم. ثم قال: {وَلَأَوْضَعُوا خِلََالَكُمْ} أي: أسرعوا في الدخول بينكم للتفريق والإفساد. قال ابن عباس: يريد: ضعفوا شجاعتكم، يعني: بالتفريق بينهم لتفرق الكلمة فيجبنوا عن العدو. وقال الحسن: لأوضعوا خلالكم بالنميمة لإفساد ذات البين. وقال الكلبي: ساروا بينكم يبغونكم العيب، قال امرؤ القيس:
أرانا موضعين لحتم غيب ... ونسحر بالطعام وبالشراب
أي مسرعين، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة:
تبا لهن بالعرفان لما عرفنني ... وقلن امرؤ باغ أكل وأوضعا
أي: أسرع حتى كلت مطيته: {يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمََّاعُونَ لَهُمْ} [التوبة: 47] .
قال قتادة: وفيكم من يسمع كلامهم، ويطيعهم. وقال ابن إسحاق: وفيكم قوم أهل محبة لهم وطاعة فيما يدعونهم إليه لشرفهم فيهم.
ومعناه على هذا القول: وفيكم أهل سمع وطاعة لهم لو صحبهم هؤلاء المنافقون أفسدوهم عليكم.
قلت: فتضمن «سماعين» معنى «مستجيبين» .
وقال مجاهد وابن زيد والكلبي: المعنى: وفيكم عيون لهم ينقلون إليهم ما يسمعون منكم، أي: جواسيس. والقول هو الأول، كما قال تعالى: {سَمََّاعُونَ لِلْكَذِبِ} [المائدة:
41]أي: قابلون له، ولم يكن في المؤمنين جواسيس للمنافقين، فإن المنافقين، كانوا مختلطين بالمؤمنين، ينزلون معهم ويرحلون ويصلون معهم ويجالسونهم، ولم يكونوا متحيزين عنهم قد أرسلوا فيهم العيون ينقلون إليهم أخبارهم، فإن هذا إنما يفعله من انحاز عن طائفة،
ولم يخالطها وأرصد بينهم عيونا له. فالقول قول قتادة، وابن إسحاق. والله أعلم.