فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
41] أي: قابلون له، ولم يكن في المؤمنين جواسيس للمنافقين، فإن المنافقين، كانوا مختلطين بالمؤمنين، ينزلون معهم ويرحلون ويصلون معهم ويجالسونهم، ولم يكونوا متحيزين عنهم قد أرسلوا فيهم العيون ينقلون إليهم أخبارهم، فإن هذا إنما يفعله من انحاز عن طائفة،
ولم يخالطها وأرصد بينهم عيونا له. فالقول قول قتادة، وابن إسحاق. والله أعلم.
فإن قيل انبعاثهم إلى طاعته طاعة له فكيف يكرهها؟ وإذا كان سبحانه يكرهها فهو يحب ضدها لا محالة إذ كراهة أحد الضدين تستلزم محبة الضد الآخر، فيكون قعودهم محبوبا له فكيف يعاقبهم عليه؟
قيل: هذا سؤال له شأن، وهو من أكبر الأسئلة في هذا الباب، وأجوبة الطوائف على حسب أصولهم.
فالجبرية تجيب عنه بأن أفعاله لا تعلل بالحكم والمصالح، وكل ممكن فهو جائز عليه، ويجوز أن يعذبهم على فعل ما يحبه ويرضاه وترك ما يبغضه ويسخطه، والجميع بالنسبة إليه سواء، وهذه الفرقة قد سدت على نفسها باب الحكمة والتعليل.
والقدرية تجيب عنه على أصولها بأنه سبحانه لم يثبطهم حقيقة، ولم يمنعهم بل هم منعوا أنفسهم، وثبطوها عن الخروج، وفعلوا ما لا يريد، ولما كان في خروجهم المفسدة التي ذكرها الله سبحانه ألقى في نفوسهم كراهة الخروج مع رسوله قالوا: وجعل سبحانه إلقاء كراهة الانبعاث في قلوبهم كراهة مشيئة من غير أن يكره هو سبحانه انبعاثهم، فإنه أمرهم به، قالوا: وكيف يأمرهم بما يكرهه.
ولا يخفى على من نوّر الله بصيرته، فساد هذين الجوابين وبعدهما من دلالة القرآن.
فالجواب الصحيح: أنه سبحانه أمرهم بالخروج طاعة له ولأمره، واتباعا لرسوله صلى الله عليه وسلم ونصرة له وللمؤمنين وأحب ذلك منهم ورضيه لهم دينا، وعلم سبحانه أن خروجهم لو خرجوا لم يقع على هذا الوجه، بل يكون خروجهم خروج خذلان لرسوله وللمؤمنين فكان خروجا يتضمن خلاف ما يحبه ويرضاه، ويستلزم وقوع ما يكرهه ويبغضه، فكان مكروها من هذا الوجه، ومحبوبا له من الوجه الذي خرج عليه أولياؤه. وهو يعلم أنه لا يقع منهم إلا على الوجه المكروه إليه فكرهه وعاقبهم على ترك الخروج الذي يحبه ويرضاه، لا على ترك الخروج الذي يبغضه ويسخطه.
وعلى هذا فليس الخروج الذي كرهه منهم طاعة، حتى لو فعلوه لم يثبهم عليه ولم يرضه منهم. وهذا الخروج المكروه له ضدان: أحدهما: الخروج المرضيّ المحبوب، وهذا الضد هو الذي يحبه، والثاني: التخلف عن رسوله، والقعود عن الغزو معه. وهذا الضد يبغضه ويكرهه أيضا، وكراهته للخروج على الوجه الذي كانوا يخرجون عليه لا ينافي كراهته لهذا الضد.