فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فنقول للسائل: قعودهم مبغوض له،، لكن هاهنا أمران مكروهان له سبحانه وأحدهما أكره له من الآخر لأنه أعظم مفسدة. فإن قعودهم مكروه له، وخروجهم على الوجه الذي ذكره أكره إليه، ولم يكن لهم بد من أحد المكروهين إليه سبحانه فدفع المكروه الأعلى بالمكروه الأدنى، فإن مفسدة قعودهم عنه أصغر من مفسدة خروجهم معه، فإن مفسدة قعودهم تختص بهم، ومفسدة خروجهم تعود على المؤمنين، فتأمل هذا الموضع.
فإن قلت: فهلا وفقهم للخروج الذي يحبه ويرضاه، وهو الذي خرج عليه المؤمنون؟
قلت: قد تقدم جواب مثل هذا السؤال مرارا. وإن حكمته سبحانه تأبى أن يضع التوفيق في غير محله، وعن غير أهله، فالله أعلم حيث يجعل هداه وتوفيقه وفضله. وليس كل محل يصلح لذلك، ووضع الشيء في غير محله لا يليق بحكمته.
فإن قلت: وعلى ذلك فهلا جعل المحال كلها صالحة؟
قلت: يأباه كمال ربوبيته وملكه، وظهور أسمائه وصفاته، وفي الخلق والأمر. وهو سبحانه لو فعل ذلك لكان محبوبا له، فإنه يحب أن يذكر، ويشكر، ويطاع، ويوحد، ويعبد، ولكن كان ذلك يستلزم فوات ما هو أحب إليه من استواء أقدام الخلائق في الطاعة والإيمان، وهو محبته لجهاد أعدائه، والانتقام منهم، وإظهار قدر أوليائه وشرفهم، وتخصيصهم بفضله وبذل نفوسهم له في معاداة من عاداه، وظهور عزته وقدرته وسطوته وشدة أخذه وأليم عقابه، وأضعاف أضعاف هذه الحكم التي لا سبيل للخلق ولو تناهوا في العلم والمعرفة إلى الإحاطة بها، ونسبة ما عقلوه منها إلى ما خفى عليهم كنقرة عصفور في بحر.
وأما التزيين فقال تعالى: {كَذََلِكَ زَيَّنََّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ} [الأنعام: 108] .
وقال {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللََّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشََاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشََاءُ} [فاطر: 8] .
وقال: {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطََانُ مََا كََانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 43] .
أضاف التزيين إليه منه سبحانه خلقا ومشيئة وحذف فاعله تارة ونسبه إلى سببه ومن أجراه على يده تارة.
وهذا التزيين منه سبحانه حسن، إذ هو ابتلاء واختبار بعيد ليتميز المطيع منهم من العاصي، والمؤمن من الكافر، كما قال تعالى: {إِنََّا جَعَلْنََا مََا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهََا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} (7) [الكهف] . وهو من الشيطان قبيح.