فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وأيضا فتزيينه سبحانه للعبد عمله السيئ عقوبة منه له على إعراضه عن توحيده وعبوديته، وإيثار سيئ العمل على حسنه، فإنه لا بد أن يعرفه سبحانه المسيء من المحسن، فإذا آثر القبيح، واختاره، وأحبه ورضيه لنفسه زينه الله له، وأعماه عن رؤية قبيحه بعد أن رآه قبيحا.
وكل ظالم وفاجر وفاسق لا بد أن يريه الله تعالى ظلمه وفجوره وفسقه قبيحا، فإذا تمادى عليه ارتفعت رؤية قبحه من قلبه فربما رآه حسنا عقوبة له، فإنه إنما يكشف له عن قبحه بالنور الذي في قلبه، وهو حجة الله عليه، فإذا تمادى في غية وظلمه ذهب ذلك النور فلم ير قبحه في ظلمات الجهل والفسوق والظلم.
ومع هذا فحجة الله قائمة عليه بالرسالة وبالتعريف الأول، فتزيين الرب تعالى عدل وعقوبته حكمة، وتزيين الشيطان إغواء وظلم، وهو السبب الخارج عن العبد، والسبب الداخل فيه حبه وبغضه وإعراضه.
والرب سبحانه خالق الجميع والجميع واقع بمشيئته وقدرته، ولو شاء لهدى خلقه أجمعين. والمعصوم من عصمه الله، والمخذول من خذله الله {أَلََا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبََارَكَ اللََّهُ رَبُّ الْعََالَمِينَ} [الأعراف: 54] .
وأما عدم مشيئته سبحانه وإرادته فكما قال تعالى: {أُولََئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللََّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ} [المائدة 41] .
وقال: {وَلَوْ شِئْنََا لَآتَيْنََا كُلَّ نَفْسٍ هُدََاهََا} [السجدة: 13] {وَلَوْ شََاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ} [يونس: 99]
وعدم مشيئته للشيء مستلزم لعدم وجوده، كما أن مشيئته تستلزم وجوده، فما شاء الله وجب وجوده، وما لم يشأ امتنع وجوده.
وقد أخبر سبحانه أن العباد لا يشاءون إلا بعد مشيئته ولا يفعلون شيئا إلا بعد مشيئته. فقال: {وَمََا تَشََاؤُنَ إِلََّا أَنْ يَشََاءَ اللََّهُ} [الإنسان: 30] ، {وَمََا يَذْكُرُونَ إِلََّا أَنْ يَشََاءَ اللََّهُ}
[المدثر: 56] .
فإن قيل: فهل يكون الفعل مقدورا للعبد في حال عدم مشيئة الله له أن يفعله؟
قيل: إن أريد بكونه مقدورا سلامة آلة العبد التي يتمكن بها من الفعل، وصحة أعضائه،
ووجود قواه، وتمكينه من أسباب الفعل، وتهيئة طريق فعله، وفتح الطريق له فنعم هو مقدور بهذا الاعتبار.