فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وكل إناء فارغ إذا دخل في الشيء ضاق به، وكلما أفرغت فيه الشيء ضاق، إلا القلب
اللين، فكلما أفرغ الإيمان والعلم اتسع وانفسح، وهذا من آيات قدرة الرب تعالى.
وفي الترمذي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح» قالوا: فما علامة ذلك يا رسول الله؟ قال: «الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله» [1] .
فشرح الصدر من أعظم أسباب الهدى، وتضييقه من أسباب الضلال، كما أن شرحه من أجل النعم، وتضييقه من أعظم النقم، فالمؤمن منشرح الصدر منفسحه في هذه الدار على ما ناله من مكروهها، وإذا قوي الإيمان وخالطت بشاشته القلوب كان على مكارهها أشرح صدار منه على شهواتها ومحابها. فإذا فارقها كان انفساح روحه والشرح الحاصل له لفراقها أعظم بكثير، كحال من خرج من سجن ضيق إلى فضاء واسع موافق له، فإنها سجن المؤمن، فإذا بعثه الله يوم القيامة رأى من انشراح صدره وسعته ما لا نسبة لما قبله إليه، فشرح الصدر كما أنه سبب الهداية فهو أصل كل نعمة، وأساس كل خير.
وقد سأل كليم الرحمن موسى بن عمران ربه أن يشرح له صدره لما علم أنه لا يتمكن من تبليغ رسالته والقيام بأعبائها إلا إذا شرح له صدره.
وقد عدد سبحانه من نعمه على خاتم أنبيائه ورسله شرح صدره له، وأخبر عن أتباعه أنه شرح صدورهم للإسلام.
فإن قلت: فما الأسباب التي تشرح الصدر والتي تضيقه؟
قلت: السبب الذي يشرح الصدر: النور الذي يقذفه الله فيه، فإذا دخله ذلك النور أنار وانشرح.
فإن قلت: فهل يمكنه اكتساب هذا النور أم هو وهبي؟
قلت: هو وهبي وكسبي: واكتسابه أيضا مجرد موهبة من الله تعالى فالأمر كله لله والحمد كله له والخير كله بيديه، وليس مع العبد من نفسه شيء البتة، بل الله واهب الأسباب ومسبباتها وجاعلها أسبابا، ومانحها من يشاء، ومانعها من يشاء، إذا أراد بعبده خيرا وفقه لاستفراغ وسعه، وبذل جهده في الرغبة، والرهبة إليه فإنهما مادتا التوفيق فبقدر قيام الرغبة والرهبة في القلب يحصل التوفيق.
فإن قلت: فالرغبة والرهبة بيده لا بيد العبد.
(1) انظر: الدرر المنثور (3/ 44) وعزاه لعبد بن حميد، ولم نقف عليه في الترمذي.