فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
قيل: ضمن معنى أنابوا، واطمأنوا وتابوا، وهذه عبارات السلف في هذا الموضع.
والمقصود: أن القلب المخبت ضد القاسي والمريض، وهو سبحانه الذي جعل بعض القلوب مخبتا إليه، وبعضها قاسيا، وجعل للقسوة آثارا وللإخبات آثارا.
فمن آثار القسوة: تحريف الكلم عن مواضعه، وذلك من سوء الفهم، وسوء القصد، وكلاهما ناشئ عن قسوة القلب، ومنها نسيان ما ذكر به، وهو ترك ما أمر به علما وعملا.
ومن آثار الإخبات: وجل القلوب لذكره سبحانه، والصبر على أقداره، والإخلاص في عبوديته، والإحسان إلى خلقه.
وأما تضييق الصدر، وجعله حرجا لا يقبل الإيمان فقال تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللََّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلََامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمََا يَصَّعَّدُ فِي السَّمََاءِ}
[الأنعام: 125] .
والحرج: هو الشديد الضيق في قول أهل اللغة جميعهم، يقال: رجل حرج وحرج أي:
ضيق الصدر، قال الشاعر:
لا حرج الصدر ولا عنيف
وقال عبيد بن عمير: قرأ ابن عباس هذه الآية فقال: هل هنا أحد من بني بكر؟ قال رجل: نعم، ما الحرجة فيكم؟ قالوا: الوادي الكثير الشجر الذي لا طريق فيه. فقال ابن عباس: كذلك قلب الكافر.
وقرأ عمر بن الخطاب الآية فقال: ايتوني رجلا من كنانة، وجعلوه راعيا فأتوه به، فقال عمر: يا فتى ما الحرجة فيكم؟ فقال: الشجرة تحدث بها الأشجار الكثيرة فلا تصل إليها راعية ولا وحشية، فقال عمر: كذلك قلب الكافر لا يصل إليه شيء من الخير.
قال ابن عباس: يجعل صدره ضيقا حرجا، إذا سمع ذكر الله اشمأز قلبه، وإن ذكر شيء من عبادة الأصنام ارتاح إلى ذلك.
ولما كان القلب محلا للمعرفة والعلم والمحبة والإنابة، وكانت هذه الأشياء إنما تدخل في القلب إذا اتسع لها، فإذا أراد الله هداية عبد وسع صدره وشرحه فدخلت فيه وسكنته، وإذا أراد ضلاله ضيق صدره، وأحرجه فلم يجد محلا يدخل فيه فيعدل عنه، ولا يساكنه.
وكل إناء فارغ إذا دخل في الشيء ضاق به، وكلما أفرغت فيه الشيء ضاق، إلا القلب
اللين، فكلما أفرغ الإيمان والعلم اتسع وانفسح، وهذا من آيات قدرة الرب تعالى.