فهرس الكتاب

الصفحة 311 من 490

تنطبع فيه، وضده القلب اللين المتماسك، وهو السليم من المرض الذي لا يقبل صورة الحق بلينه، ويحفظه بتماسكه، بخلاف المريض الذي لا يحفظ ما ينطبع فيه لمعانه ورخاوته كالمائع الذي إذا طبعت فيه الشيء قبل صورته بما فيه من اللين ولكن رخاوته تمنعه من حفظها، فخير القلوب القلب الصلب الصافي اللين، فهو يرى الحق بصفائه ويقبله بلينه، ويحفظه بصلابته.

وفي المسند وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم: «القلوب آنية الله في أرضه، فأحبها إليه أصلبها وأرقدها وأصفاها» [1] .

وقد ذكر سبحانه أنواع القلوب في قوله: {لِيَجْعَلَ مََا يُلْقِي الشَّيْطََانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقََاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظََّالِمِينَ لَفِي شِقََاقٍ بَعِيدٍ (53) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ} [الحج: 5453] .

فذكر القلب المريض، وهو الضعيف المنحل الذي لا تثبت فيه صورة الحق، والقلب القاسي اليابس الذي لا يقبلها ولا تنطبع فيه، فهذان القلبان شقيان معذبان.

ثم ذكر القلب المخبت المطمئن إليه، وهو الذي ينتفع بالقرآن ويزكو به. قال الكلبي:

{فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ} فترق للقرآن قلوبهم.

وقد بين سبحانه حقيقة الإخبات، ووصف المخبتين في قوله: {وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34) الَّذِينَ إِذََا ذُكِرَ اللََّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصََّابِرِينَ عَلى ََ مََا أَصََابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلََاةِ وَمِمََّا رَزَقْنََاهُمْ يُنْفِقُونَ} (35) [الحج: 3534] .

فذكر للمخبتين أربع علامات وجل قلوبهم عند ذكره والوجل: خوف مقرون بهيبة ومحبة وصبرهم على أقداره، وإتيانهم بالصلاة قائمة الأركان ظاهرا وباطنا، وإحسانهم إلى عباده بالإنفاق مما آتاهم.

وهذا إنما يتأتى للقلب المخبت، قال ابن عباس: «المخبتين» : المتواضعين، وقال مجاهد: المطمئنين إلى الله، وقال الأخفش: الخاشعين.

وقال ابن جرير: الخاضعين. وقال الزجاج: اشتقاقه من الخبت وهو المنخفض من الأرض، وكل مخبت متواضع، فالإخبات سكون الجوارح على وجه التواضع والخشوع لله.

فإن قيل: فإذا كان معناه التواضع والخشوع فكيف عدى بإلى في قوله: {وَأَخْبَتُوا إِلى ََ رَبِّهِمْ} [هود: 23]

(1) انظر حلية الأولياء (1/ 79) ، لم نقف إلا على أوله في أحمد (2/ 177) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت