{إِنَّمََا سُلْطََانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} (100) [النحل] .
فتضمن ذلك أمرين: أحدهما: نفي سلطانه وإبطاله على أهل التوحيد والإخلاص والثاني: إثبات سلطانه على أهل الشرك وعلى من تولاه.
ولما علم عدو الله أن الله تعالى لا يسلطه على أهل التوحيد والإخلاص قال: {قََالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلََّا عِبََادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [ص: 8382] .
فعلم عدو الله أن من اعتصم بالله، عز وجل، وأخلص له وتوكل عليه، لا يقدر على إغوائه وإضلاله، وإنما يكون له السلطان على من تولاه وأشرك مع الله، فهؤلاء رعيته فهو وليهم وسلطانهم ومتبوعهم.
فإن قيل: فقد أثبت له السلطان على أوليائه في هذا الموضع، فكيف ينفيه في قوله:
{وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلََّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (20) وَمََا كََانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطََانٍ إِلََّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهََا فِي شَكٍّ} [سبأ: 2120] .
وقيل: إن كان الضمير في قوله: {وَمََا كََانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطََانٍ} عائدا على المؤمنين فالسؤال ساقط، ويكون الاستثناء منقطعا: أي لكن امتحنّاهم بإبليس، لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك، وإن كان عائدا على ما عاد عليه في قوله: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ} وهو الظاهر، ليصح الاستثناء المنقطع بوقوعه بعد النفي، ويكون المعنى: وما سلطناه عليهم إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة.
قال ابن قتيبة: إن إبليس لما سأل الله تعالى النظرة فأنظره قال: لأغوينهم ولأضلنهم ولآمرنهم بكذا، ولأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا [1] وليس هو في وقت هذه المقالة.
مستيقنا أن ما قدره فيه يتم، وإنما قال ظانا، فلما اتبعوا وأطاعوه صدق عليهم ما ظنه فيهم، فقال تعالى: وما كان تسليطنا إياه إلا لنعلم المؤمنين من الشاكين، يعني نعلمهم موجودين ظاهرين فيحق القول ويقع الجزاء.
وعلى هذا فيكون السلطان هاهنا على من لم يؤمن بالآخرة وشك فيها، وهم الذين تولوه وأشركوا به، فيكون السلطان ثابتا لا منفيا، فتتفق هذه الآية مع سائر الآيات.
(1) قال تعالى في سورة النساء: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلََّا إِنََاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلََّا شَيْطََانًا مَرِيدًا (117) لَعَنَهُ اللََّهُ وَقََالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبََادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (118) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذََانَ الْأَنْعََامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللََّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطََانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللََّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرََانًا مُبِينًا} (119) .