فهرس الكتاب

الصفحة 320 من 490

فإن قيل: فما تصنع بالتي في سورة إبراهيم، حيث يقول لأهل النار {وَمََا كََانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطََانٍ إِلََّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي} [إبراهيم: 22] ، وهذا وإن كان قوله فالله سبحانه أخبر به عنه مقررا له، لا منكرا، فدل على أنه كذلك.

قيل: هذا سؤال جيد، وجوابه: أن السلطان المنفي في هذا الموضع: هو الحجة والبرهان، أي: ما كان لي عليكم من حجة وبرهان أحتج به عليكم، كما قال ابن عباس: ما كان لي من حجة أحتج بها عليكم. أي: ما أظهرت لكم حجة إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي، وصدقتم مقالتي، واتبعتموني بلا برهان ولا حجة. وأما السلطان الذي أثبته في قوله: {إِنَّمََا سُلْطََانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ} فهو تسلطه عليهم بالإغواء والإضلال وتمكنه منهم، بحيث يؤزهم إلى الكفر والشرك ويزعجهم إليه، ولا يدعهم يتركونه، كما قال تعالى {أَلَمْ تَرَ أَنََّا أَرْسَلْنَا الشَّيََاطِينَ عَلَى الْكََافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا} (83) [مريم: 83] قال ابن عباس: تغريهم إغراء. وفي رواية:

تشليهم إشلاء [1] . وفي لفظ: تحرضهم تحريضا. وفي آخر: تزعجهم إلى المعاصي إزعاجا.

وفي آخر: توقدهم: أي تحركهم كما يحرك الماء بالإيقاد تحته. قال الأخفش: توهجهم.

وحقيقة ذلك أن (الأز) هو التحريك والتهييج، ومنه يقال لغليان القدر: الأزيز: لأن الماء يتحرك عند الغليان. ومنه الحديث: «لجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء» [2] قال أبو عبيدة: «الأزيز» الالتهاب والحركة، كالتهاب النار في الحطب، يقال أز قدرك، أي ألهب تحتها بالنار وأيزت القدر إذا اشتد غليانها، فقد حصل للأز معنيان: أحدهما: التحريك، والثاني: الإيقاد والإلهاب، وهما متقاربان فإنه تحريك خاص بإزعاج وإلهاب.

فهذا من السلطان الذي له على أوليائه وأهل الشرك، ولكن ليس له على ذلك حجة وبرهان، وإنما استجابوا له بمجرد دعوته إياهم، لما وافقت أهواءهم وأغراضهم فهم الذين أعانوا على أنفسهم ومكنوا عدوهم من سلطانه عليهم، بموافقته ومتابعته فلما أعطوا بأيديهم واستأسروا له سلّط عليهم، عقوبة لهم.

وبهذا يظهر معنى قوله سبحانه: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللََّهُ لِلْكََافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء: 141] .

(1) قال ابن جرير قال ابن زيد: {تَؤُزُّهُمْ أَزًّا} فقرأ: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمََنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطََانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} (36) قال تؤزهم أزا: تشليهم إشلاء على معاصى الله تبارك وتعالى وتغريهم عليها كما يغري الإنسان الآخر على الشيء ا. هـ. في القاموس: أشلى دابته: أراها المخلاة لتأتيه، والناقة: دعاها للحلب.

(2) رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وصححه وابن حبان وابن خزيمة: عن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت