العشرون: أنه سبحانه حكم بالخسران حكما عاما على كل من لم يؤمن من أهل الحق والصبر، وهذا يدل على أنه لا رابح سواهم فقال تعالى: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسََانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصََّالِحََاتِ وَتَوََاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوََاصَوْا بِالصَّبْرِ} (3) [سورة العصر] .
ولهذا قال الشافعي: لو فكر الناس كلهم في هذه الآية لوسعتهم، وذلك أن العبد كماله في تكميل قوتيه: قوة العلم وقوة العمل، وهما الإيمان والعمل الصالح، وكما هو محتاج إلى تكميل نفسه فهو محتاج إلى تكميل غيره، وهو التواصي بالحق والتواصي بالصبر وأخيه ذلك وقاعدته وساقه الذي يقوم عليه إنما هو الصبر.
الحادي والعشرون: أنه سبحانه خص أهل الميمنة بأنهم أهل الصبر والمرحمة الذين قامت بهم هاتان الخصلتان ووصوا بهما غيرهم، فقال تعالى: {ثُمَّ كََانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوََاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوََاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17) أُولََئِكَ أَصْحََابُ الْمَيْمَنَةِ} (18) [البلد] . وهذا حصر لأصحاب الميمنة فيمن قام به هذان الوصفان، والناس بالنسبة إليهما أربعة أقسام هؤلاء خير الأقسام، وشرهم من لا صبر له ولا رحمة فيه، ويليه من له صبر ولا رحمة عنده، ويليه القسم الرابع وهو من له رحمة ورقة ولكن لا صبر له.
الثاني والعشرون: أنه سبحانه قرن الصبر بأركان الإسلام ومقامات الإيمان كلها، فقرنه بالصلاة، كقوله: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلََاةِ} [البقرة: 45] .
وقرنه بالأعمال الصالحة عموما، كقوله: {إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصََّالِحََاتِ} [هود: 11] وجعله قرين التقوى، كقوله: {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ} [يوسف: 90] .
وجعله قرين الشكر كقوله: {إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيََاتٍ لِكُلِّ صَبََّارٍ شَكُورٍ} [إبراهيم: 5] وجعله قرين الحق، كقوله: {وَتَوََاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوََاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 3] .
وجعله قرين الرحمة، كقوله: {وَتَوََاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوََاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ} [البلد: 17] .
وجعله قرين اليقين كقوله: {لَمََّا صَبَرُوا وَكََانُوا بِآيََاتِنََا يُوقِنُونَ} (24) [السجدة: 24] .
وجعله قرين الصدق كقوله: {وَالصََّادِقِينَ وَالصََّادِقََاتِ وَالصََّابِرِينَ وَالصََّابِرََاتِ} [الأحزاب: 35] .
وجعله سبب محبته ومعيته ونصره وعونه وحسن جزائه، ويكفي بعض ذلك شرفا وفضلا، والله أعلم [1] .
(1) عدة الصابرين (7671) .