فهرس الكتاب

الصفحة 328 من 490

وأما حكمه الديني الشرعي فيعصيه الفجار والفساق، والأمران غير متلازمين. فقد يقضي ويقدر ما لا يأمره به ولا يشرعه، وقد يشرع ويأمر بما لا يقضيه ولا يقدره. ويجتمع الأمران فيما وقع من طاعات عباده وإيمانهم، وينتفي الأمران عما لم يقع من المعاصي والفسق والكفر. وينفرد القضاء الديني والحكم الشرعي في ما أمر به وشرعه ولم يفعله المأمور، وينفرد الحكم الكوني فيما وقع من المعاصي.

إذا عرف ذلك فالقضاء في كتاب الله نوعان: كوني قدري، كقوله تعالى: {فَلَمََّا قَضَيْنََا عَلَيْهِ الْمَوْتَ} [سبأ: 14] ، وقوله: {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لََا يُظْلَمُونَ} [الزمر: 69]

وشرعي ديني، كقوله: {وَقَضى ََ رَبُّكَ أَلََّا تَعْبُدُوا إِلََّا إِيََّاهُ} [الإسراء: 23] أي أمر وشرع.

ولو كان قضاء كونيا لما عبد غير الله.

والحكم أيضا نوعان: فالكوني كقوله: {قََالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ} [الأنبياء: 112] ، أي افعل ما تنصر به عبادك وتخذل به أعداءك.

والديني كقوله: {ذََلِكُمْ حُكْمُ اللََّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ} [الممتحنة: 10] ، وقوله: {إِنَّ اللََّهَ يَحْكُمُ مََا يُرِيدُ} [المائدة: 1] .

وقد يرد بالمعنيين معا كقوله: {وَلََا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} [الكهف: 26] . فهذا يتناول حكمه الكوني، وحكمه الشرعي.

والإرادة أيضا نوعان: فالكونية كقوله تعالى: {فَعََّالٌ لِمََا يُرِيدُ} [هود: 107] ، وقوله:

{وَإِذََا أَرَدْنََا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً} [الإسراء: 16] ، وقوله: {إِنْ كََانَ اللََّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ} [هود: 34] ، وقوله:: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ} [القصص: 5] .

والدينية كقوله: {يُرِيدُ اللََّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلََا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] ، وقوله:

{وَاللََّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} [النساء: 27] ، فلو كانت هذه الإرادة كونية لما حصل العسر لأحد منا، ولوقعت التوبة من جميع المكلفين.

وبهذا التفصيل يزول الاشتباه في مسألة الأمر والإرادة هل هما متلازمان أم لا؟

فقالت القدرية: الأمر يستلزم الإرادة، واحتجوا بحجج لا تندفع.

وقالت المثبتة: الأمر لا يستلزم الإرادة، واحتجوا بحجج لا تندفع.

والصواب: أن الأمر يستلزم الإرادة الدينية ولا يستلزم الإرادة الكونية، فإنه لا يأمر إلا بما يريده شرعا ودينا، وقد يأمر بما لا يريده كونا وقدرا، كإيمان من أمره، ولم يوفقه

للإيمان مراد له دينا ولا كونا. وكذلك أمر خليله بذبح ابنه ولم يرده كونا وقدرا. وأمر رسوله بخمسين صلاة ولم يرد ذلك كونا وقدرا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت