فهرس الكتاب

الصفحة 344 من 490

وهذا من جناية القدرية على القرآن، ومعناه نظير جناية إخوانهم من الجهمية [1] على نصوص الصفات وتحريفها عن مواضعها، وفتحوا للزنادقة والملاحدة جنايتهم على نصوص المعاد وتأويلها بتأويلات إن لم تكن أقوى من تأويلاتهم لم تكن دونها، وفتحوا للقرامطة والباطنية تأويل نصوص الأمر والنهي بنحو تأويلاتهم.

فتأويل التحريف الذي سلسلته هذه الطوائف أصل فساد الدين وخراب العالم، وسنفرد إن شاء الله كتابا نذكر فيه جناية المتأولين على الدنيا والدين.

وأنت إذا وازنت بين تأويلات القدرية والجهمية والرافضة لم تجد بينها وبين تأويلات الملاحدة والزنادقة من القرامطة والباطنية وأمثالهم كبير فرق.

والتأويل الباطل يتضمن تعطيل ما جاء به الرسول، والكذب على المتكلم أنه أراد ذلك المعنى، فتضمن إبطال الحق وتحقيق الباطل، ونسبة المتكلم إلى ما لا يليق به من التلبيس والإلغاز مع القول عليه بلا علم: إنه أراد هذا المعنى.

فالمتأول عليه أن يبين صلاحية اللفظ للمعنى الذي ذكره أولا، واستعمال المتكلم له في ذلك المعنى في أكثر المواضع حتى إذا استعمله فيما يحتمل غيره حمل على ما عهد منه استعماله فيه.

وعليه أن يقيم دليلا سالما عن المعارض على الموجب لصرف اللفظ عن ظاهره وحقيقته إلى مجازه واستعارته، وإلا كان ذلك مجرد دعوى منه فلا تقبل.

وتأول بعضهم هذه النصوص على أن المراد بها هداية البيان والتعريف لا خلق الهدى في القلب، فإن الله سبحانه لا يقدر على ذلك عند هذه الطائفة، وهذا التأويل من أبطل الباطل [2] .

[2] الذي عليه أهل الحديث والسنة قاطبة، والفقهاء كلهم، وجمهور المتكلمين، والصوفية أنه سبحانه يكره بعض الأعيان والأفعال والصفات، وإن كانت واقعة بمشيئته، فهو يبغضها ويمقتها كما يبغض ذات إبليس وذوات جنوده، ويبغض أعمالهم، ولا يحب ذلك

(1) الجهمية: هم أصحاب جهم بن صفوان الذي أظهر نفي الصفات والتعطيل آخذا ذلك عن الجعد بن درهم الذي قتله خالد القسري يوم الأضحى، ومما انفرد به جهم قوله: إن الجنة والنار تفنيان وإنّ الإيمان المعرفة فقط، وإن الإنسان مجبور، وإن ما تنسب إليه الأفعال على سبيل المجاز فقط، قتله سالم بن أحوز بمرو في آخر ملك بني أمية.

(2) شفاء العليل (1/ 219216) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت