فهرس الكتاب

الصفحة 348 من 490

يخرجها عن حقائقها، كتأويل آيات الأمر والنهي سواء، فالباب كله باب واحد، ومصدره واحد، ومقصوده واحد، وهو إثبات حقائقه والإيمان بها.

وكذلك سطا على تأويل آيات المعاد قوم، وقالوا: فعلنا فيها كفعل المتكلمين في آيات الصفات، بل نحن أعذر، فإن اشتمال الكتب الإلهية على الصفات والعلو وقيام الأفعال أعظم من نصوص المعاد للأبدان بكثير فإذا ساغ لكم تأويلها، فكيف يحرم علينا نحن تأويل آيات المعاد؟

وكذلك سطا قوم آخرون على تأويل آيات الأمر والنهي، وقالوا: فعلنا فيها كفعل أولئك في آيات الصفات، مع كثرتها وتنوعها، وآيات الأحكام لا تبلغ زيادة على خمسمائة آية.

قالوا: وما يظن أنه معارض من العقليات لنصوص الصفات، فعندنا معارض عقلي لنصوص المعاد، من جنسه أو أقوى منه.

وقال متأولو آيات الأحكام على خلاف حقائقها وظواهرها: الذي سوغ لنا هذا التأويل القواعد التي اصطلحتموها لنا، وجعلتموها أصلا نرجع إليه، فلما طردناها كان أن الله ما تكلم بشيء قط ولا يتكلم، ولا يأمر ولا ينهى، ولا له صفة تقوم به، ولا يفعل شيئا، وطرد هذا الأصل لزوم تأويل آيات الأمر والنهى، والوعد والوعيد، والثواب والعقاب.

وقد ذكرنا في كتاب «الصواعق» أن تأويل آيات الصفات وأخبارها بما يخرجها عن حقائقها هو أصل فساد الدنيا والدين، وزوال الممالك، وتسليط أعداء الإسلام عليه إنما كان بسبب التأويل، ويعرف هذا من له اطلاع وخبرة بما جرى في العالم ولهذا يحرم عقلاء الفلاسفة التأويل مع اعتقادهم لصحته لأنه سبب لفساد العالم، وتعطيل الشرائع.

ومن تأمل كيفية ورود آيات الصفات في القرآن والسنة علم قطعا بطلان تأويلها بما يخرجها عن حقائقها، فإنها وردت على وجه لا يحتمل معه التأويل بوجه.

فانظر إلى قوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلََّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلََائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيََاتِ رَبِّكَ} [الأنعام: 158] هل يحتمل هذا التقسيم والتنويع تأويل إتيان الرب جل جلاله بإتيان ملائكته أو آياته؟ وهل يبقي مع هذا السياق شبهة أصلا أنه إتيانه بنفسه؟ وكذلك قوله: {إِنََّا أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ كَمََا أَوْحَيْنََا إِلى ََ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} إلى أن قال: {وَكَلَّمَ اللََّهُ مُوسى ََ تَكْلِيمًا}

[النساء: 163، 164] ففرق بين الإيحاء العام، والتكليم الخاص، وجعلهما نوعين، ثم أكد فعل التكليم بالمصدر الرافع لتوهم ما يقوله المحرفون، وكذلك قوله: {وَمََا كََانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللََّهُ إِلََّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرََاءِ حِجََابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا} [الشورى: 51] ، فنوع تكليمه إلى: تكليم

بواسطة، وتكليم بغير واسطة، وكذلك قوله لموسى عليه السّلام {إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النََّاسِ بِرِسََالََاتِي وَبِكَلََامِي} [الأعراف: 144] ففرق بين الرسالة والكلام، والرسالة إنما هي بكلامه. وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنكم ترون ربكم عيانا كما ترون القمر ليلة البدر في الصحو، ليس دونه سحاب، وكما ترون الشمس في الظهيرة صحوا ليس دونها سحاب» (1) ، ومعلوم أن هذا البيان والكشف والاحتراز ينافي إرادة التأويل قطعا، ولا يرتاب في هذا من له عقل ودين (2) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت