قال أبو داود في «المسائل» : سمعت أحمد بن حنبل، وذكر له قول عمر: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة. فلم يصحح هذا عن عمر، وقال الدارقطني: هذا الكلام لا يثبت عن عمر، يعني قوله: سنة نبينا. ثم ذكر أحاديث الباب، ثم قال بعد انتهاء آخر الباب:
اختلف الناس في المبتوتة، هل لها نفقة، أو سكنى؟ على ثلاثة مذاهب، وعلى ثلاث روايات عن أحمد:
أحدها: أنه لا سكنى لها ولا نفقة، وهو ظاهر مذهبه، وهذا قول علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وجابر، وعطاء، وطاوس، والحسن، وعكرمة، وميمون ابن مهران، وإسحاق بن راهويه، وداود بن علي، وأكثر فقهاء الحديث، وهو مذهب صاحبة القصة فاطمة بنت قيس، وكانت تناظر عليه.
والثاني: ويروى عن عمر وعبد الله بن مسعود: أن لها السكنى والنفقة. وهو قول أكثر أهل العراق، وقول ابن شبرمة، وابن أبي ليلى، وسفيان الثوري، والحسن بن صالح، وأبي حنيفة وأصحابه، وعثمان البتي، والعنبري، وحكاه أبو يعلى القاضي في «مفرداته» رواية عن أحمد، وهي غريبة جدا.
والثالث: أن لها السكنى دون النفقة، وهذا قول مالك والشافعي وفقهاء المدينة السبعة، وهو مذهب عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها.
وأسعد الناس بهذا الخبر من قال به، وأنه لا نفقة لها، ولا سكنى، وليس مع من رده حجة تقاومه، ولا تقاربه.
قال ابن عبد البر: أما من طريق الحجة وما يلزم منها، فقول أحمد بن حنبل ومن تابعه أصح وأرجح لأنه ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم نصا صريحا، فأي شيء يعارض هذا إلا مثله عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، الذي هو المبين على الله مراده؟ ولا شيء يدفع ذلك، ومعلوم أنه أعلم بتأويل قول الله تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ} [الطلاق: 6] .
وأما قول عمر ومن وافقه، فقد خالفه علي وابن عباس ومن وافقهما. والحجة معهم، ولو لم يخالفهم أحد منهم لما قبل المخالف لقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فإن قول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حجة على عمر وعلى غيره. ولم يصح عن عمر أنه قال: لا ندع كتاب ربه وسنة نبينا لقول امرأة، فإن أحمد أنكره، وقال: أما هذا فلا، ولكن قال: لا نقبل في ديننا قول امرأة. وهذا أمر يرده الإجماع على قبول قول المرأة في الرواية، فأي حجة في شيء يخالفه الإجماع وترده السنة، ويخالفه فيه علماء الصحابة؟