فهرس الكتاب

الصفحة 389 من 490

وأما الحامل فلما اختلفت جهة النفقة عليها قبل الوضع وبعده، ذكر سبحانه الجهتين والسببين. وهذا من أسرار القرآن ومعانيه التي يختص الله بفهمها من شاء.

وأيضا، فلو كان قوله تعالى: {وَإِنْ كُنَّ أُولََاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتََّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} في البوائن لكان دليلا ظاهرا على أن الحائل البائن لا نفقة لها لاشتراط الحمل في وجوب الإنفاق، والحكم المعلق بالشرط يعدم عند عدمه، وأما آية السكنى، فلا يقول أحد: إنها مختصة بالبائن لأن السياق يخالفه، ويبين أن الرجعية مرادة منها، فإما أن يقال: هي مختصة بالرجعية كما يدل عليه سياق الكلام، وتتحد الضمائر، ولا تختلف مفسراتها، بل يكون مفسر قوله: {فَأَمْسِكُوهُنَّ} هو مفسر قوله: {أَسْكِنُوهُنَّ} وعلى هذا فلا حجة في سكنى البائن. وإما أن يقال: هي عامة للبائن والرجعية.

وعلى هذا فلا يكون حديث فاطمة منافيا للقرآن، بل غايته: أن يكون مخصصا لعمومه، وتخصيص القرآن بالسنة جائز واقع، هذا لو كان قوله: {أَسْكِنُوهُنَّ} عاما، فكيف لا يصح فيه العموم، لما ذكرناه؟

وقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا نفقة لك ولا سكنى» [1] وقوله في اللفظ الآخر: «إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة» [2] رواه الإمام أحمد والنسائي، وإسناده صحيح، وفي لفظ لأحمد: «إنما النفقة والسكنى للمرأة على زوجها ما كانت له عليها الرجعة، فإذا لم يكن له عليها رجعة فلا نفقة ولا سكنى» [3] ، وهذا يبطل كل ما تأولوا به حديث فاطمة، فإن هذا فتوى عامة، وقضاء عام في حق كل مطلقة، فلو لم يكن لشأن فاطمة ذكر في المبين لكان هذا اللفظ العام مستقلا بالحكم، لا معارض له بوجه من الوجوه. فقد تبين أن القرآن لا يدل على خلاف هذا الحديث، بل إنما يدل على موافقته، كما قالت فاطمة: بيني وبينكم القرآن.

ولما ذكر لأحمد قول عمر: لا ندع كتاب ربنا لقول امرأة تبسم أحمد وقال: أي شيء في القرآن خلاف هذا [4] ؟

(1) البخاري (5323، 5324) في الطلاق، باب: قصة فاطمة بنت قيس، ومسلم (1480/ 37) في الطلاق، باب: المطلقة ثلاثا لا نفقة لها.

(2) النسائي (3403) في الطلاق، باب: الرخصة في الطلاق الثلاث، وأحمد (6/ 373) .

(3) أحمد (6/ 417) .

(4) تهذيب السنن (3/ 193190) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت