ثالثا: ليس معنى هذا المنهج أن ابن القيم يأتي أولا في تفسير الآية بأختها من القرآن ثم يفسرها من السنة إلخ ليس بهذا الأسلوب الذي نراه عند كثير ممن وضع تفسيرا للقرآن، لكن هذا منهج بالاستقراء تراه بارزا في مؤلفاته «فابن القيم رحمه الله تعالى يبرز
الأدلة من الكتاب والسنة، ويستنبط الأحكام الشرعية منها بأسلوب سهل مبسط خال من التعقيد بنوعية اللفظي والمعنوي، متطلبا نشر التشريع وبث التوحيد، ردّا إلى الله ورسوله، وإلى أن يرد الناس منابع الشريعة الأولى خالية من كل وضر، خالصة من كل شائبة» [1] ولو وضعنا هذا المنهج أساسا للدعوة الآن لاستطاع المخلصون بعون الله تعالى أن يعودوا بالأمة إلى نفس المنابع الطاهرة الطيبة، ويخرجوها من حالتها البائسة التعسة. إذا ابن القيم هدفه العودة إلى المنابع: الأول كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه الصحابة الكرام وأئمة التابعين الأعلام، فهل طبق ذلك في التفسير؟
نعم وهذا هو:
رابعا: ولو نظرنا إلى السور التي نكاد نقف على تفسير شبه كامل لها مثل الفاتحة والعنكبوت، وهناك عدد لا بأس به من سورة القيامة إلى آخر التفسير خاصة الفلق والناس. نرى أن ابن القيم يذهب إلى التفسير الموضوعي للسورة، أي: «إبراز الوحدة الموضوعية المتكاملة للسورة القرآنية، تلك الوحدة التي تربط بين أركان السورة بعضها إلى بعض، لتخدم الأهداف التي أنزلت من أجلها، والتي يمكن أن تكون أساسا لفهم آياتها» [2] . فلو نظرنا في تفسيره لسورة القيامة (5/ 71) :
1 -لنراه يبدأ ببيان ما في الإقسام في قوله تعالى: {لََا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيََامَةِ (1) وَلََا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوََّامَةِ} (2) من معان كثبوت الجزاء ومستحق الجزاء، وأن ذلك يتضمن إثبات الرسالة والقرآن والمعاد، ثم يقول: «وهو سبحانه يقسم على هذه الأمور الثلاثة ويقررها أبلغ تقرير (لما) ؟ يقول: «لحاجة النفوس إلى معرفتها والإيمان بها» فهو رحمه الله تعالى يخلص إلى نتيجة هي الفيصل بين الكفر والإيمان، وبين الحق والباطل. فنفس لا تؤمن بالجزاء ولا تثبت الرسالة والقرآن والمعاد كيف يكون حالها؟ بل ولو تدبر أحد آيات ذم الكفر والكافرين وأهل العناد أجمعين لرأيت إفسادهم في الأرض برا وبحرا مبنيا على إنكارهم هذه الأمور الضرورية يقول تعالى: {وَكَذََلِكَ جَعَلْنََا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا} إلى قوله {وَلِتَصْغى ََ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ}
(1) بكر أبو زيد (86) ، والوضر: وسخ الدّسم واللبن. وليتأمل القارئ هذه الفقرة جيدا من كلام الشيخ بكر، ويعجب للذين لا يزالون يصرون على أن يؤلفوا لمجرد التأليف ويكتبوا لمجرد التصدر دون اعتبار جماهير المسلمين التي يجب جذبها للعمل في الصف الإسلامي لا مجرد المشاهدة، كما سبق بيان التنبيه على ذلك.
(2) منهج ابن القيم في التفسير (84) ، وضرب الأستاذ السنباطي لذلك مثالا بالفاتحة والمعوذتين.