فهرس الكتاب

الصفحة 452 من 490

مزامير آل داود»، فقال له أبو موسى: لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرا [1] . أي: زينته وحسنته، ومنه البرد المحبر.

وقد روي أن داود كان يستمع لصوته الحسن الإنس والجن والطير والوحوش، وكان يحمل من مجلسه أربعمائة جنازة ممن قد مات من قراءته [2] .

قال صاحب القرآن: عجبا لكم أيها السماعاتية ولاستدلالكم، فلو أن المنكرين عليكم كرهوا حسن الصوت وعابوه وذموه مطلقا لكان في ذلك احتجاج عليهم، كيف وهم أخبر الناس في الصوت الحسن؟ لكن الشأن فيما يؤدي بالصوت.

فهذه الآثار التي ذكرتموها، وأكثر منها إنما تدل على استحباب تحسين الصوت بالقرآن، ومن نازع في هذا؟ فالاستدلال بها على تحسين الصوت بالغناء الذي هو قرآن الشيطان، ومادة النفاق ورقية الفواحش أفسد من قياس الربا على البيع، فإن بين الغناء والقرآن من التباين أعظم مما بين البيع والربا، ومما بين النكاح والسفاح، ومما بين الشراب الحلال والشراب الحرام.

فأين سماع المكاء والتصدية الذي ذمه الله في كتابه، وأخبر أنه سماع المشركين، من سماع أنبيائه ورسله وأوليائه وحزبه المفلحين؟.

وأين سماع المخانيث والقينات والفساق والمغنين من سماع الخلفاء الراشدين والمهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، واقتفوا طريقتهم المثلى، وسبيلهم الأقوم، وسلكوا منهاجهم الواضح؟ وكيف يقاس مؤذن الشيطان الداعي بحي على غير الفلاح، على مؤذن الرحمن الداعي إلى السعادة والنجاح، وقد تقدم ذكر الحديث الذي رواه الطبراني الكبير في معجمه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أن الشيطان قال: يا رب اجعل لي قرآنا قال قرآنك الشعر، قال: اجعل لي مؤذنا قال: مؤذنك المزمار» [3] .

فمن قاس قرآن الشيطان ومؤذنه على قرآن الرحمن ومؤذنه فالله حسيبه ومجازيه، وسيعلم يوم الحشر أي بضاعة أضاع، وعند الميزان أيثقل أم يخف بما قدم به من السماع، وهاهنا الناس أربعة أقسام.

(1) سبق تخريجه ص (429) .

(2) انظر الرسالة القشيرية (2، 6)

(3) الطبراني في الكبير (8/ 245، 246) (7837) ، وقال الهيثمي في المجمع (8/ 122) : «وفيه علي بن يزيد الألهاني وهو ضعيف، وقد تقدم لهذا طرق في كتاب الإيمان» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت