فهرس الكتاب

الصفحة 457 من 490

وزعم أنه أراد بقوله: طويل التغني طويل الاستغناء، فإنه غلط منه، وإنما عنى الأعشى بالتغني في هذا الموضع: الإقامة من قول العرب: غنى بمكان كذا: إذا أقام به، ومنه قوله تعالى: {كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا} [الأعراف: 92] ، واستشهاده بقول الآخر:

كلانا غنى عن أخيه حياته ... ونحن إذا متنا أشد تغانيا

فإنه إغفال منه، وذلك لأن التغاني تفاعل من تغنى: إذا استغنى كل فلان منهما عن صاحبه، كما يقال: تضارب الرجلان، إذا ضرب كل واحد صاحبه، وتشاتما، وتقاتلا.

ومن قال: هذا في فعل اثنين، لم يجز أن يقول مثله في فعل الواحد، فيقول: تغانى زيد، وتضارب عمر، وذلك غير جائز أن يقول تغنى زيد بمعنى استغنى، إلا أن يريد به قائله أنه أظهر الاستغناء، وهو غير مستغن، كما يقال: تجلد فلان: إذا أظهر جلدا من نفسه، وهو غير جليد، وتشجع، وتكرم.

فإن وجه موجه التغني بالقرآن إلى هذا المعنى على بعده من مفهوم كلام العرب، كانت المصيبة في خطئه في ذلك أعظم لأنه يوجب على من تأوله أن يكون الله تعالى ذكره لم يأذن لنبيه أن يستغني بالقرآن، وإنما أذن له أن يظهر من نفسه لنفسه خلاف ما هو به من الحال، وهذا لا يخفى فساده. قال: ومما يبين فساد تأويل ابن عيينة أيضا أن الاستغناء عن الناس بالقرآن من المحال أن يوصف أحد به أنه يؤذن له فيه أو لا يؤذن، إلا أن يكون الأذن عند ابن عيينة بمعنى الإذن، الذي هو إطلاق وإباحة، وإن كان كذلك، فهو غلط من وجهين، أحدهما: من اللغة، والثاني: من إحالة المعنى عن وجهه. أما اللغة، فإن الأذن مصدر قوله: أذن فلان لكلام فلان، فهو يأذن له: إذا استمع له وأنصت، كما قال تعالى:

{وَأَذِنَتْ لِرَبِّهََا وَحُقَّتْ} (2) [الانشقاق] ، بمعنى سمعت لربها وحق لها ذلك، كما قال عدي بن زيد: إن همي في سماع وأذن، بمعنى، في سماع واستماع.

فمعنى قوله: ما أذن الله لشيء، إنما هو: ما استمع الله لشيء من كلام الناس ما استمع لنبي يتغنى بالقرآن.

وأما الإحالة في المعنى فلأن الاستغناء بالقرآن عن الناس غير جائز وصفه بأنه مسموع ومأذون له، انتهى كلام الطبري.

قال أبو الحسن بن بطال: وقد وقع الإشكال في هذه المسألة أيضا بما رواه ابن أبي شيبة، حدثنا زيد بن الحباب، قال: حدثني موسى بن علي بن رباح، عن أبيه، عن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «تعلموا القرآن وتغنوا به، واكتبوه، فوالذي نفسي بيده، لهو

أشد تفصيا من المخاض من العقل» (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت