أنه بأيديهم يمسونه، وهذا هو الصحيح في معنى الآية، ومن المفسرين من قال: إن المراد به أن المصحف لا يمسه إلا طاهر.
والأول أرجح لوجوه:
أحدهما: أن الآية سيقت تنزيها للقرآن أن تنزل به الشياطين، وأن محله لا يصل إليه فيمسه إلا المطهرون، فيستحيل على أخابث خلق الله، وأنجسهم أن يصلوا إليه أو يمسوه، كما قال تعالى: {وَمََا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيََاطِينُ (210) وَمََا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمََا يَسْتَطِيعُونَ (211) } {كِرََامٍ بَرَرَةٍ} (16) [الشعراء] ، فنفي الفعل وتأتيه منهم، وقدرتهم عليه، فما فعلوا ذلك ولا يليق بهم، ولا يقدرون عليه، فإن الفعل قد ينتفي عمن يحسن منه، وقد يليق بمن لا يقدر عليه، فنفى عنهم الأمور الثلاثة، وكذلك قوله في سورة عبس: {فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرََامٍ بَرَرَةٍ} (16) [عبس] ، فوصف محله بهذه الصفات بيانا أن الشيطان لا يمكنه أن يتنزل به، وتقرير هذا المعنى أهم وأجل وأنفع من بيان كون المصحف لا يمسه إلا طاهر.
الوجه الثاني: أن السورة مكية، والاعتناء في السور المكية إنما هو بأصول الدين، من تقرير التوحيد والمعاد والنبوة وأما تقرير الأحكام والشرائع فمظنة السور المدنية.
الوجه الثالث: أن القرآن لم يكن في مصحف عند نزول هذه الآية، ولا في حياة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وإنما جمع في المصحف في خلافة أبي بكر، وهذا إن جاز أن يكون باعتبار ما يأتي، فالظاهر أنه إخبار بالواقع حال الأخبار، يوضحه:
الرابع: وهو قوله: {فِي كِتََابٍ مَكْنُونٍ} (78) ، والمكنون: المصون المستور عن الأعين الذي لا تناله أيدي البشر، كما قال تعالى: {كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ} (49) [الصافات] ، وهكذا قال السلف. قال الكلبي: مكنون من الشياطين، وقال مقاتل: مستور، وقال مجاهد: لا يصيبه تراب ولا غبار. وقال أبو إسحاق: مصون في السماء يوضحه.
الوجه الخامس: أن وصفه بكونه مكنونا نظير وصفه بكونه محفوظا فقوله: {فِي كِتََابٍ مَكْنُونٍ} (78) كقوله: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} (22) [البروج] يوضحه.
الوجه السادس: أن هذا أبلغ في الرد على المكذبين، وأبلغ في تعظيم القرآن، من كون المصحف لا يمسه محدث.
الوجه السابع: قوله: {لََا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} (79) بالرفع، فهذا خبر لفظا ومعنى، ولو كان نهيا لكان مفتوحا، ومن حمل الآية على النهي احتاج إلى صرف الخبر عن ظاهره إلى معنى النهي، والأصل في الخبر والنهي حمل كل منهما على حقيقته، وليس هاهنا
موجب يوجب صرف الكلام عن الخبر إلى النهي.