الوجه السابع: قوله: {لََا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} (79) بالرفع، فهذا خبر لفظا ومعنى، ولو كان نهيا لكان مفتوحا، ومن حمل الآية على النهي احتاج إلى صرف الخبر عن ظاهره إلى معنى النهي، والأصل في الخبر والنهي حمل كل منهما على حقيقته، وليس هاهنا
موجب يوجب صرف الكلام عن الخبر إلى النهي.
الوجه الثامن: أنه قال {إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} ولم يقل إلا المتطهرون. ولو أراد به منع المحدث من مسه لقال: إلا المتطهرون، كما قال تعالى: {إِنَّ اللََّهَ يُحِبُّ التَّوََّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} (222) [البقرة] ، وفي الحديث «اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين» [1] ، فالمتطهر فاعل التطهير، والمطهر الذي طهره غيره، فالمتوضئ متطهر والملائكة مطهرون.
الوجه التاسع: أنه لو أريد به المصحف الذي بأيدينا لم يكن في الإخبار عن كونه مكنونا كبير فائدة، إذ مجرد كون الكلام مكنونا في كتاب، لا يستلزم ثبوته، فكيف يمدح القرآن بكونه مكنونا في كتاب، وهذا أمر مشترك، والآية إنما سيقت لبيان مدحه وتشريفه، وما اختص به من الخصائص التي تدل على أنه منزل من عند الله، وأنه محفوظ مصون، لا يصل إليه شيطان بوجه ما، ولا يمس محله إلا المطهرون، وهم السفرة الكرام البررة.
الوجه العاشر: ما رواه سعيد بن منصور في سننه: حدثنا أبو الأحوص، حدثنا عاصم الأحول، عن أنس بن مالك في قوله: {لََا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} (79) قال: المطهرون الملائكة وهذا عند طائفة من أهل الحديث في حكم المرفوع، قال الحاكم: تفسير الصحابة عندنا في حكم المرفوع، ومن لم يجعله مرفوعا فلا ريب أنه عنده أصح من تفسير من بعد الصحابة، والصحابة أعلم الأمة بتفسير القرآن، ويجب الرجوع إلى تفسيرهم.
وقال حرب في مسائله: سمعت إسحاق في قوله: {لََا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} (79) قال:
النسخة التي في السماء لا يمسها إلا المطهرون، قال: الملائكة.
وسمعت شيخ الإسلام يقرر الاستدلال بالآية على أن المصحف لا يمسه المحدث بوجه آخر فقال: هذا من باب التنبيه والإشارة، إذ كانت الصحف التي في السماء لا يسمها إلا المطهرون، فكذلك الصحف التي بأيدينا من القرآن لا ينبغي أن يمسها إلا طاهر، والحديث مشتق من هذه الآية.
(1) رواه الترمذي (55) في أبواب الطهارة، باب: فيما يقال بعد الوضوء، عن أبي إدريس الخولاني عن عمر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من توضأ فأحسن الوضوء، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين. فتحت له ثمانية أبواب الجنة يدخل من أيها شاء» قال الترمذي: «وهذا حديث في إسناده اضطراب. ولا يصح عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في هذا الباب كثير شيء. قال البخاري: أبو إدريس لم يسمع من عمر شيئا» .