وقوله: «لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر» [1] رواه أهل السنن من حديث الزهري عن بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده، أن في الكتاب الذي كتبه النبي صلّى الله عليه وسلّم إلى أهل اليمن في السنن، والفرائض، والديات: «أن لا يمس القرآن إلا طاهر» ، قال أحمد: أرجو أن يكون صحيحا، وقال أيضا: لا أشك أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كتبه.
وقال أبو عمر بن عبد البر: هو كتاب مشهور عند أهل السير، معروف عند أهل العلم، معرفة يستغنى بشهرتها عن الإسناد لأنه أشبه التواتر في مجيئه، لتلقي الناس له بالقبول والمعرفة، ثم قال: وهو كتاب معروف عند العلماء، وما فيه فمتفق عليه إلا قليلا، وقد رواه ابن حبان في صحيحه، ومالك في موطئه، وفي المسألة آثار أخر مذكورة في غير هذا الموضع [2] .
باب: منه قوله تعالى: {لََا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} (79) [الواقعة] : الصحيح في الآية أن المراد به:
الصحف التي بأيدي الملائكة، لوجوه عديدة:
منها: أنه وصفه بأنه «مكنون» ، و «المكنون» المستور عن العيون. وهذا إنما هو في الصحف التي بأيدي الملائكة.
ومنها: أنه قال: {لََا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} (79) وهم الملائكة. ولو أراد المتوضئين لقال: لا يمسه إلا المتطهرون. كما قال تعالى: {إِنَّ اللََّهَ يُحِبُّ التَّوََّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}
[البقرة: 222] فالملائكة مطهرون، والمؤمنون متطهرون.
ومنها: أن هذا إخبار، ولو كان نهيا لقال: لا يمسسه بالجزم. والأصل في الخبر: أن يكون خبرا صورة ومعنى.
ومنها: أن هذا رد على من قال: إن الشيطان جاء بهذا القرآن، فأخبر تعالى أنه في كتاب مكنون لا تناله الشياطين. ولا وصول لها إليه، كما قال تعالى في آية الشعراء {وَمََا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيََاطِينُ (210) وَمََا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمََا يَسْتَطِيعُونَ} (211) [الشعراء] وإنما تناله الأرواح المطهرة:
وهم الملائكة.
(1) مالك في الموطأ (1/ 199) في القرآن، باب: الأمر بالوضوء من مس القرآن، قال ابن عبد البر: «لا خلاف عن مالك في إرسال هذا الحديث، وقد روى مسندا من وجه صالح» . انظر: الحاكم في المستدرك (3/ 485) في معرفة الصحابة، باب: مناقب حكيم بن حزام، وقال: «حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه» ووافقه الذهبي.
(2) التبيان (230226) .