3 -ويقول صديقه وتلميذه ابن كثير رحمه الله تعالى: «سمع الحديث واشتغل بالعلم، وبرع في علوم متعددة، ولا سيما علم التفسير والحديث والأصلين، ولما دعا الشيخ تقي الدين ابن تيمية من الديار المصرية في سنة ثنتي عشرة وسبعمائة لازمه إلى أن مات الشيخ، فأخذ عنه علما جمّا، مع ما سلف له من الاشتغال، فصار فريدا في بابه في فنون كثيرة، مع كثرة الطلب ليلا ونهارا، وكثرة الابتهال، وكان حسن القراءة والخلق، كثير التودد لا يحسد أحدا ولا يؤذيه، ولا يستعيبه، ولا يحقد على أحد، وكنت من أصحب الناس له وأحب الناس إليه، ولا أعرف في هذا العالم في زماننا أكثر عبادة منه، وكانت له طريقة في الصلاة، يطيلها جدّا، ويمد ركوعها وسجودها، ويلومه كثير من أصحابه في بعض الأحيان، فلا يرجع ولا ينزع عن ذلك، رحمه الله تعالى) اه. البداية والنهاية (7/ 657) .
ما شاء الله أرأيت أخي القارئ ثمرة التربية المستقيمة والنشأة القويمة: علم نافع، وسلوك صالح، وخلق عال، وسمت حسن، فجعل الله له ذكرا حسنا، وسيرة عطرة، وهكذا يجب أن يكون طالب العلم على هذا النهج الذي به تستقيم الحياة، غير منهج الأدعياء المحرفين للحق، تحت مسمى «يسر الإسلام» ولا يقصدون إلّا الترخّص الجاف، وتضييع أمر الله بمنع نشره وإقامته، وهكذا فلا عجب إذا أن يلوم من هذا حاله على الشباب تمسكه بالدين والخلق المستقيم، وهل رأيت من تاريخ الإسلام من أفتى «بالنقاب» مثلا ليس من الإسلام؟! إي والله هكذا!!! هل رأيت من يحارب المتمسك ويترك المتفلت المتهتك، فأصبح دعاة التوحيد والاستقامة متشددين متزمتين متطرفين في نظرهم ولبسوا على الناس دينهم بكذبهم هذا!! و {لِلََّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ} [الروم: 4] ، {وَاللََّهُ غََالِبٌ عَلى ََ أَمْرِهِ وَلََكِنَّ أَكْثَرَ النََّاسِ لََا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 21] .
وإذا لم نقارن بين أخلاق علماء الأمة الصالحين وسيرتهم العطرة أمثال عالمنا ابن القيم رحمه الله وبين بعض علماء العصر فلا فائدة من ترجمتهم، أو ذكر سيرتهم والله أعلم.
4 -أما مشايخه رحمهم الله فكثيرون، نحيلك توفيرا لوقتك لكتاب الأستاذ العلامة الشيخ «بكر أبو زيد» حفظه الله تعالى «ابن القيم حياته وآثاره وموارده» (183161) .
5 -ولكن لا يطيب الكلام عن مشايخه أو يحسن ذلك دون ذكر الإمام الكبير المجدد شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد السلام ابن تيمية رضي الله عنه.
فقد لازمه إلى وفاته رحمهما الله تعالى، وأثّر ابن تيمية في ابن القيم رحمهما الله تعالى كأثر الماء في البذر، والشمس في الإنبات، وقد لا أبالغ إن قلت: والروح في الجسد،
وهذا ظاهر واضح عند كل من ترجم له رحمه الله تعالى.