لنا جلساء ما نملّ حديثهم ... ألباء مأمونون غيبا ومشهدا
يفيدوننا من علمهم علم ما مضى ... وعقلا وتأديبا ورأيا مسددا
بلا فتنة تخشى ولا سوء عشرة ... ولا نتقي منهم لسانا ولا يدا
فإن قلت أموات فما كنت كاذبا ... وإن قلت أحياء فلست مفندا [1]
يقول ابن جماعة: «ينبغي لطالب العلم أن يعتني بتحصيل الكتب المحتاج إليها ما أمكن شراء، وإلّا فإجارة أو عارية: لأنها آلة التحصيل» [2] .
3 -من هذا الباب كان حرص إمامنا ابن القيم رحمه الله تعالى عظيما في اقتناء الكتب، فمع ما تلقاه من العلماء ومصاحبته شيخ الإسلام، يبيّن أثر الكتاب في عمله، فهو يشكو في أكثر من موضع بعده عن كتبه، ويبيّن أن هذا كتبه في سفر مرتحلا عنها، انظر مثلا آخر تفسير سورة الكافرون. ولله دره حين ألف «زاد المعاد» من خمسة أجزاء وهو في سفرة سافرها.
فهو شديد الصحبة للعلماء، شديد الصحبة للكتاب، وانظر إلى أول معرفته بشيخ الإسلام، وقد كان وقتها ابن القيم تجاوز العشرين بقليل وهو سن التأهل والفتوى والتأليف كيف حمل قبل هذا اللقاء من فكر تبين خطؤه يقول عن هذه المرحلة:
يا قوم والله العظيم نصيحة ... من مشفق وأخ لكم معوان
جربت هذا كله ووقعت من ... تلك الشباك وكنت ذا طيران
حتى أتاح لي الإله بفضله ... من ليس تجزيه يدي ولساني
حبر أتى من أرض حران فيا ... أهلا بمن قد جاء من حران [3]
ثم توالى فتح الله عليه بتلك الصحبة المباركة، يقول ابن كثير: «واقتنى من الكتب ما لا يتهيأ لغيره تحصيل عشره من كتب السلف والخلف» [4] .
وهذا يلاحظ في تتبع مصادره الوفيرة، يقول الشيخ بكر أبو زيد: «كتابه «اجتماع الجيوش» يقع في خمس وثلاثين ومائة صحيفة ينقل من أكثر من مائة كتاب، و «أحكام أهل
(1) المصدر نفسه (580) .
(2) تذكرة السامع والمتكلم (164) .
(3) النونية (1/ 330) .
(4) البداية والنهاية (7/ 658)