فيعتقد بعضنا حسن النيّة تجاههم حتى ولو كانوا يأمرون بما يخالف الدين وينهون عن
صريح الدين، بما نسميه الآن: بالحرب الفكرية، ويتحججون بقوله تعالى: {لََا يَنْهََاكُمُ اللََّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقََاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيََارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللََّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (8) [الممتحنة: 8] .
فالله تعالى جعل من كمال دينه الإحسان إلى الخلق كلهم حتى الدواب، وهنا يبيّن لنا رفع الحرج عنا إن نحن عاملنا من لم يقاتلنا أو يساعد على قتالنا أو إخراجنا من ديارنا أن نعامله بالحسنى والعدل، أما الذين يجتمعون لقتالنا ماديا ومعنويا لا برّ لهم ولا قسط معهم.
ويرى كل الخلق كيف يتعامل المسلم مع أهل الكتاب في بلاد الإسلام خصوصا الشرقية منها، حيث ترى الإحسان والفضل وحسن الجوار، بخلاف هؤلاء الذين لا يأمن المسلم على نفسه أو ماله وسطهم وهي دول تدعي الديموقراطية وحرية الرأي.
أقول: نحن لا نحزن كثيرا إن جاء الضرر من هؤلاء الأعداء الخلص، إنما نحزن حين يأتي من أبناء جلدتنا، ممّن يتحدثون بألسنتنا وقلوبهم مع عدونا.
وهذا الفريق أخطر على الإسلام من الكافر الصريح لأن هؤلاء المنافقون يحاربون الشريعة تارة بحجة تشددها، ويحاربون العقيدة بحجة تميزها وتفريقها بين الخلق، ويحاربون السلوك والأخلاق بحجة عدم تعسير الحياة على الناس، فالفضيلة عائق أمام الحرية والإبداع والانطلاق إلى العالمية ورضى أسيادهم علينا، ولا يهم بعد ذلك عندهم رضى الله تعالى!!
لأنهم في البدء لا يعرفون الله تعالى ولا يقدرونه حق قدره، فأسقطوا هذا الجهل على الدين فأصبحوا يتكلمون فيه بلا علم، إنما بأفكار لها في الغرب والشرق، وثمارها لأمة الإسلام حنظلا، حتى لا تقف على أرض العقيدة، ولا تستظل بظل الشريعة ولا تتحرك بنور الفضيلة. فلا يبقى حصن أمامهم إلّا وقد هدموه فينشأ ناشئ الفتيان منا مسخ، لا هو مسلم مستقيم ولا هو إنسان عاقل، فلا ينتفع به في دين ولا دنيا ولا يعرف منفعته من مضرته، بل لا يبقى له من الإسلام إلّا الاسم ولا من العقل إلّا القشر!!
وأعداء الله تعالى الآن لا يعرضون ولا يلمحون في حربهم الشريعة والعقيدة، بل حرب صريحة مكشوفة.
فهم يكيلون للحدود الإسلامية شتى ألوان الصفات التي إذا قرأها القارئ اقشعر بدنه وظنّ في هذه الأمة من صفات الهمجية الكثير، فهي تقطع الرقاب، والأيدي، وترجم بالحجارة العشاق وأهل الحب أو تجلدهم، وتقطع رقاب المفكر الذي يدعو إلى ترك الإسلام والردة، لأن الاعتقاد أمر شخصي لا دخل لأحد فيه!