بأي طرق وصل. ولكن لا تحققه بالمصدر، فإذا حققته بالمصدر لم يكن إلا حقيقة الكلام، كالإرادة. يقال: فلان أراد إرادة، يريدون حقيقة الإرادة. ويقال: أراد الجدار، ولا يقال:
إرادة، لأنه مجاز غير حقيقة، هذا كلامه. وقال تعالى: {وَلَمََّا جََاءَ مُوسى ََ لِمِيقََاتِنََا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قََالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف: 143] وهذا التكليم غير التكليم الأول الذي أرسله به إلى فرعون. وفي هذا التكليم الثاني سأل النظر، لا في الأول وفيه أعطي الألواح، وكان عن مواعدة من الله له. والتكليم الأول لم يكن عن مواعدة، وفيه قال الله له: {يََا مُوسى ََ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النََّاسِ بِرِسََالََاتِي وَبِكَلََامِي} [الأعراف: 144] أي بتكليمي لك بإجماع السلف.
وقد أخبر سبحانه في كتابه: أنه ناداه وناجاه. فالنداء من بعد، والنجاء من قرب.
تقول العرب: إذا كبرت الحلقة فهو نداء، أو نجاء. وقال له أبوه آدم في محاجته: «أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه، وخط لك التوراة بيده؟» [1] . وكذلك يقول له أهل الموقف إذا طلبوا منه الشفاعة إلى ربه. وكذلك في حديث الإسراء في رؤية موسى في السماء السادسة أو السابعة، على اختلاف الرواية [2] . قال: «وذلك بتفضيله بكلام الله» ، ولو كان التكليم الذي حصل له من جنس ما حصل لغيره من الأنبياء لم يكن لهذا التخصيص به في هذه الأحاديث معني، ولا كان يسمى «كليم الرحمن» . وقال تعالى: {وَمََا كََانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللََّهُ إِلََّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرََاءِ حِجََابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مََا يَشََاءُ} [الشورى: 51] ففرق بين تكليم الوحي، والتكليم بإرسال الرسول، والتكليم من وراء حجاب.
فصل المرتبة الثانية: مرتبة الوحي المختص بالأنبياء، قال الله تعالى: {إِنََّا أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ كَمََا أَوْحَيْنََا إِلى ََ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} [النساء 163] وقال: {وَمََا كََانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللََّهُ إِلََّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرََاءِ حِجََابٍ} الآية [الشورى: 51] فجعل الوحي في هذه الآية قسما من أقسام التكليم، وجعله في آية النساء قسيما للتكليم، وذلك باعتبارين، فإنه قسيم التكليم الخاص الذي هو بلا واسطة، وقسم من التكليم العام الذي هو إيصال المعنى بطرق متعددة.
والوحي في اللغة: هو الإعلام السريع الخفي، ويقال في فعله: وحى، وأوحى، قال رؤبة:
(1) البخاري (6614) في القدر، باب: تحاج آدم وموسى عند الله، ومسلم (2652/ 13) في القدر، باب: حجاج آدم وموسى عليهما السلام.
(2) البخاري (349) في الصلاة، باب: كيف فرضت الصلوات في الإسراء، ومسلم (162/ 259) في الإيمان، باب: الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السموات وفرض الصلوات.